في عالمي الفوضوي ، ابحث عن قليل من التوازن عبر الكتابة

المدونة غير متخصصة ، فهي مجرد ملاحظات متناثرة في العقل. 

لا تعكس المدونة أي نزعة نرجسية ؛ لذلك لا تتوقع المفاجآت..

رتق على جرف القارات- قصة قصيرة

(1)

- لا تنظر لي بدهشة فلم يحن بعد الوقت لكي تكتب قصة حياتك فهي لم تبدأ بعد ، لقد قال دولوز بأن صنع حدث ما ؛مهما بلغ صغره؛ هو الأمر الأكثر صعوبة ، ومهمتي هي صنع الأحداث ، كما ستكون هذه هي مهمتك أيضاً ، أرى التساؤلات في عينيك الصامتتين دوماً ، ولكن لم يحن وقت إجابتها، وأنا لا أسرد ما حصل لك إلا لكي تؤمن بالحتمية ، حينما تمارس دور الإله في صنع الأحداث ، وليس المشاركة فيها ، حينئذٍ ستشعر بقوة لا تقهر في ذاتك حينما يكون موكولاً لك أنت وأنت وحدك فقط أن تصنع الأحداث ، ألم أقل لك بأن قصة حياتك لم تبدأ بعد .

حسناً لا تخش شيئاً ، أدرك بأنك مرتبك ، وربما قلق من هذه المقابلة ، في الواقع أراك في حالة رعب كبيرة ، تماماً كذلك اليوم الذي أوقفت فيه سيارتك بعنف حتى اصطدمت بك السيارة التي خلفك ، وأنت تتصبب عرقاً ، حينما سمعت بمقتل (ص) إثر حادث سقوط طائرته ، شتمك الرجل الذي اصطدم بك وتجمهر الناس حول سيارتك ولكنك كنت في حالة ضياع كامل وبيد مرتعشة أخرجت الفلاش من درج السيارة وأخذت تنظر إليه برعب شديد. ثم دسسته في جيبك وقدت سيارتك والعرق يجرح عينيك من خلف النظارة ذات العدسات السميكة . قبل ثلاثة أيام التقيت بـ(ص) الذي كان متوتراً وحكى لك قصة مشاهدته لنائب رئيس الحزب الحاكم وهو يمارس الشذوذ مع ضابط في الأمن وقام بتصوير المشهد ثم منحك الفلاش لتخبئه عندك وهو يؤكد لك بأن قتله أصبح وشيكاً. لقد كان (ص) مؤمناً بالحزب إيماناً عميقاً ، وبقدر عمق إيمانه كانت صدمته . الآن بعد أن سمعت بخبر قتله توقف عقلك عن العمل ، هرعت إلى منزلك وأخذت تشاهد ابناءك الصغار وهم نائمون في حضن أمهم ، كنت خائفاً على مستقبلهم إذا قُتلت أنت نفسك ، وكانت مخاوف الدنيا كلها تقفز إلى أم دماغك كصراصير الليل ، أمامك خياران أن تحتفظ بالفلاش أو أن ترميه في النهر ، وكان الخيار الأول يعني أنك ستظل مهدداً إذا أُكتشف عندك ، ولكنك لو ألقيته في النهر وجاء رجال الأمن فطلبوه منك وأخبرتهم بأنك تخلصت منه فلن يصدقوك ، إذن؛ الخياران أحلاهما مر ، وقررت أخيراً أن تحتفظ بالفلاش في خزنتك بالبنك . أعتقد بأنه كان خياراً صحيحاً ، ولكي تتجنب جميع الشبهات ، خاصة أنك كنت مقرباً إلى (ص) ، فقد كان عليك أن تنضم إلى الحزب الإسلامي الحاكم ، وأعتقد أنه أيضاً كان قراراً ذكياً ، خاصة أنك ومن فرط رعبك تبنيت الصمت في علاقاتك داخل الحزب ، أتذكر أول يوم ذهبت فيه إلى مباني الحزب ، كنت تتحرك كالسلحفاة ببطء شديد ، وبصمت ، دخلت إلى عالم لم يكن عالمك أبداً وأنت المحامي الصغير ، دخلت عالم السياسة ، دخلته مكرهاً ، طامعاً في أن تحمي أبناءك من مجرمي الحزب الحاكم الأوحد ، من نظام يغتال كل من يقف ضده بأكثر الطرق خسة ، كنت تقف في باحة مقر الحزب صامتاً والشمس تصهر إحساسك بالأمان ، وكل من يدلفون إلى الحزب كنت تراهم إما وحوشاً لهم قرون الشياطين وأنياب السباع ، أو ضحايا خائفين مثلك ، لقد سجلت إسمك ووقعت على ميثاق الحزب ولم يتبق لك إلا يوم أداء القسم ، لكنك لا تعرف أكثر من هذا ، لا تعرف كيف تبدأ اللقاءات بأعضاء الحزب الآخرين ، ولا متى تكون الإجتماعات ولا أي جانب تنظيمي ، فأنت مستجد ، لا خبرة لديك ، وقررت أن تتبع ثلاثة شبان نحو أحدى الغرف ، ترددت كثيراً قبل أن تدخل وراءهم ، لكنك في النهاية عزمت أمرك ، لتجد نفسك أمام حشد من عشرين عضو جديد ، وهناك من يلقي على مسامعهم محاضرة استقبال ، كان يسألهم عن سبب دخولهم فكانوا يجيبون بتزلف ونفاق أما أنت فلم تستطع حتى أن تجد إجابة مقنعة فقد ظللت صامتاً حتى أن بعضاً من الأعضاء الجدد أخذوا يخفون ضحكاتهم الساخرة . وقد أحس المحاضر المدعو بـ (ن) بإشفاق شديد عليك ، فقد نحى بك جانباً بعد ان انتهى من محاضرته وطلب منك الحضور يوم الاثنين الساعة العاشرة مساء إلى مقر الحزب الرئيسي في العاصمة وقد وقع على بطاقتك من الخلف لتسهيل دخولك ، وخلال كل ذلك لم تكن تنبس ببنت شفه ، وكان الرعب يعتصر مفاصلك .

***

يوم الاثنين كان حافلاً بالنسبة لك فقد قادك (ن) إلى كل قيادات الحزب من الصف الثاني ، ورغم شعورك بالخوف إلا أنك تماسكت غير أنك لم تتجاوز القاعدة الذهبية : الصمت . كنت ترد التحية الخاصة بالحزب ، وتتجنب الجمل الطويلة ، تعرف عن نفسك فقط ، هم كانوا يعتقدون بأنك إنما تفعل ذلك كنوع من الاحترام ، لكنك في الواقع كنت تفعل ذلك خوفاً ، قادك (ن) عبر الدهاليز والمكاتب المكيفة ، حتى إذا انتهى الأمر ودعك عند الباب قائلاً:

-تعود أن تداوم على تواجدك في الاجتماعات ، ذلك أنني قد نقلتك اليوم من صف المبتدئين إلى صف القادة ، وعليك أن تثبت جدارتك بنفسك .. إلى اللقاء .

وحين ودعته حانت منك التفاتة إلى سيارتك ولاحظت أخيراً الانبعاج الناتئ في الخلف وتذكرت الحادث وكأنه قصة قديمة. لكنك الآن أكثر ارتياحاً من ذي قبل .

كل اربعة أشهر كانت تسقط طائرة ثم تليها طائرة وثالثة وهكذا يتم اغتيال الأعضاء المتفلتين في الحزب ، أو أولئك السياسيين الذين يخشى إتساع نفوذهم الشعبي ، أو من يمسكون بكروت خطرة ضد قيادات الحزب النافذة ، وهكذا قتل (ص) أيضاً ، وربما تقتل أنت أيضاً في يوم من الأيام إذا اكتشفوا احتفاظك بالفلاش . ولكي تتجنب ذلك كان عليك أن تكثف من نشاطك داخل الحزب وحضور كل الاجتماعات ، وقد كان ذلك . كانت الصراعات داخل الحزب محتدمة ، وكنت أنت الوحيد الذي جنبه صمته من الدخول في المعارك أو اختيار شلة على أخرى ، فقد كان غرضك الوحيد هو الاختفاء داخل الظهور ، وهذا ما جعلك محبوباً من الجميع حينما تأكدوا تماماً بأنك لست صاحب غرض نفعي ، لكنهم كانوا يتساءلون سراً عن سبب انضمامك للحزب وأنت كما يبدو عليك لا تفقه شيئاً في السياسة ولا الانتهازية . ولما طال صمتك توقفوا عن التساؤل واعتقدوا بأنك قد خُلقت هكذا؛ شخصية صامتة لا تحب الجدل والنقاش وهذا ما زادهم اطمئناناً .

***

لم يكن الصف الثاني من قيادات الحزب خالياً من الصراعات بل كانت الصراعات أكثر عنفاً لأن كل عضو منهم كان يستند إلى شخصية قوية من الصف الأول وكان يرغب في الحصول على منصب سياسي يمكنه من إدارة أعمال تجارية تدر عليه مالاً يضمن به مستقبله ، وهكذا تكونت مجموعة بقيادة (م م) في مواجهة مجموعة بقيادة (ت ع) ، كان (م م) يستند إلى رئيس جهاز الأمن والمخابرات ، في حين أن (ت ع) كان يستند إلى أحد مستشاري الرئيس ، وكان محل الصراع صفقة سلاح ذات تعقيدات شديدة ، وإزاء هذا الصراع لم يعد وقوفك فوق خط عدم الانحياز ممكناً بل كان عليك أن تتخذ قرارك الحاسم بالانضمام لإحدى المجموعتين ، كان رئيس جهاز المخابرات يبدو الأقوى في الظاهر ، إلا أن المستشار كان صاحب نفوذ أكبر فهو مقرب من الرئيس نفسه ، فانضممت إلى مجموعة (ت ع) ، ونسبة لهذا الخيار الصائب فقد تم تصعيدك إلى درجة القياديين بالصف الثاني بعد أن كنت مجرد عضو عادي. أما (م م) فقد صار عارياً من السند بعد أن أقيل رئيس جهاز الأمن من منصبه بل وتم اعتقاله بتهمة الاعداد لانقلاب مع بعض العسكريين ، ونتيجة لأنه كان يملك معلومات دقيقة عن الجميع فقد تمت تسوية الأمر معه بالعفو عنه مقابل إلتزامه بالصمت والاكتفاء بإدارة أعماله التجارية التي بلغت مليارات الدولارات. وهكذا قرر (م م) الإنشقاق عن الحزب ، وتكوين مليشيا مسلحة مستغلاً وجود تمرد مسلح في الغرب فانضم لحاملي السلاح ، لكنه أغتيل من نائبه الذي رأى أنه الأجدر بقيادة المليشيا من (م م) ؛ فهذا الأخير –كما كان يعتقد نائبه- مجرد سياسي لا يصلح كعسكري متمرس في أعمال القتل والسلب.


***

ثم مضت بك الشهور وكدت أن تنسى قصة الفلاش لولا ذلك اليوم الذي كنت فيه تحوم داخل أروقة الحزب فإذا بنائب رئيس الحزب وضابط الأمن يمران أمامك ، وحين تسمرت في مكانك حانت من نائب رئيس الحزب التفاتة نحوك ، ثم ابتسم لك ابتسامة صفراء أرجفت قلبك وتذكرت وجه (ص) المذعور قبل اغتياله . كان رئيس الحزب هو رئيس الجمهورية وهو رجل عسكري لا يفقه شيئاً في الحكم فاضطر إلى الاستعانة بنائبه في الحزب وهو زعيم سياسي لأكبر حزب ديني ، هذا الأخير استطاع أن يسيطر على الدولة عبر سيطرته على البرلمان حين امتلك ناصية القانون فركز السلطات في يده كرئيس للبرلمان ونائب لرئاسة الحزب . وحين اختفى من أمامك تنفست الصعداء ودخلت إلى أقرب قاعة بوعي ضبابي مختبئاً فيها.

كانت القاعة ممتلئة بالأعضاء من الصف الثاني ، وكانت تناقش الحرب في الجنوب ، وضرورة أن يتم استقطاب الشعب واستدراجه على أساس الاختلاف في الدين أي خوض حرب مقدسة ، إلا أن أحد الأعضاء ويدعى (ك) كان معترضاً على تحويل الحرب من حرب بين الحكومة والمتمردين إلى حرب دينية قد تثير حفيظة المجتمع الدولي ، فيجد المتمردون مبرراً أخلاقياً للحرب كمدافعين عن حريتهم الدينية ، إلا أن الأعضاء وقفوا ضد (ك) باعتباره متهاوناً في الدفاع عن العقيدة التي هي قوام الحزب وأساس قيامه والدافع الذي أوصله إلى السلطة عبر الإنقلاب العسكري على القوى العلمانية الكافرة ، وقد عرفت فيما بعد بأن (ك) تم إيداعه السجن بتهمة الفساد رغم أنه كان أكثرهم نظافة يد ؛ وحينئذٍ زادت قناعاتك بأن هذا النظام يعتمد على تصفية كل من يخالفه جسدياً ومعنوياً مما زاد شعورك بالرعب ، فازداد صمتك داخل الحزب حتى عدت كقطعة أثرية يتم نقلها من متحف لآخر دون أن تعترض. وتفاقم لديك ذلك الشعور بأن الإنسان إنما يقف وحيداً وقوى الشر تحيط به من كل جانب ، وقد لاحظت زوجتك صمتك واكفهرار وجهك ، وانطواءك على ذاتك قرب طفليك بألم ، لم تعد تثق حتى في نفسك وأنت تحدثها عن جحيم الحياة في دولة دكتاتورية ، حيث يتربص الكل بالكل وأصحاب السلطة يمارسون القهر الجمعي والفردي بأقسى وأقصى صوره بدون وازع ديني أو أخلاقي وبلا ضمير مستنير ، كانت حادثة صديقك (ص) قد فتحت عينيك على الصورة القاتمة والتي أخذت مساحتها تتسع حتى بات الهرب إلى دولة أخرى أو الموت هما أفضل الموانع من الوقوع تحت أيديهم ، وما زاد الطين بلة حين تم استدعاؤك للمثول أمام جهاز الأمن والاستخبارات ، في ذلك اليوم ارتجف جسدك وتصبب عرقاً وشعرت بأن أشواكاً تنغرز في كل مسامة من مسامات جلدك ، إلى أن جلست صامتاً أمام ضابط الأمن الذي ظل بدوره صامتاً وهو منشغل عنك لساعتين بقراءة أوراقه إلى أن رمقك بنظرة من فوق نظارته وهو يقول:

- لماذا لا تشرب شيئاً .. هل أنت خائف ..

وحين اجتررت غصة من حلقك ، ومسحت العرق من جبينك بمنديلك ، نهض فصب كوب ماء بارد لك وقدمه قائلاً:

- لا تخف .. إن كل ما هنالك هو أننا رأينا جديتك ونشاطك داخل الحزب فوجب علينا أن نكافئك قليلاً ، لا شك أنك خائف بسبب سماعك لتلك الإشاعات المغرضة التي تقول بأننا نعذب المعارضين والخونة جسدياً وجنسياً ومعنوياً .. حسناً .. لا تصدق كل ما تقوله المعارضة فهم يعمدون لتشويه صورة الحكومة .. هل تصدقهم ؟

هززتَ رأسك نفياً دون أن يتمكن صوتك من الخروج من حنجرتك .. حينها نهض الضابط ولف حول مكتبه ثم جلس أمامك قائلاً :

-نحن نعرض عليك وظيفة في الاستخبارات .. وهي وظيفة بسيطة .. وبالتأكيد سنعطيك عليها أجراً .. عليك فقط أن تكون مصدراً لنا داخل الصف الثاني من الحزب .. أنت تعرف أن هناك انشقاقات عديدة تحدث وأن هناك متفلتون لأن وجودهم داخل الحزب لم يحقق لهم مطامعهم ومصالحهم الشخصية .

ثم ضرب بسن قلم حبر على الطاولة وهو يردف:

-هؤلاء هم من نريدهم .. وأنت عليك أن تطلعنا عليهم وعلى كل جديد .. لن تكتب تقارير ورقية بل ستأتي هنا وتحدثنا عنهم شفاهة ..

وحين بدأ الضابط في شرح المهمة كان عقلك قد غاب تماماً وربما لأول مرة تشعر بالإمتهان لكرامتك وأنت تستخدم كمخبر لا يختلف عن أي قواد ، لكنك تحت رحمتهم الآن وفي كل وقت ، وحين قادك أحدهم إلى الخارج ولفحتك الشمس بدا لك وأنك قد أضحيت كائناً ميتاً بالفعل .

وبت الآن منشغلاً بهم جديد وهو الوشاية بالآخرين ، وكاد هذا الخوف يزول بعد خلاص زائف تمثل في عملية إنقلابية فاشلة ، تم على إثرها إعدام سبعة وعشرين ضابطاً في الجيش ولم يتم الكشف عن مكان دفنهم حتى اليوم .


***

(2)

تلقيت اتصالاً من والدتك تخبرك فيه بغياب شقيقك عن المنزل منذ ثمانية أيام ، فأخذت تبحث عنه في كل مكان ، ولكنه عاد في اليوم التاسع بوجه متورم وجروح سياط تدمي ظهره ، ثم ألقى جسده على السرير وغاب عن الوعي ليوم كامل قبل أن يصحو ويخبركم بأنه كان معتقلاً لدى جهاز الأمن والمخابرات ، وحكى عن عمليات اغتصاب تعرض لها هو وجماعة آخرون من حزب الشباب الثوري ، بالإضافة لعمليات تعذيب ، وإعدام زائف ، فقلت له:

- سأعمل على تهريبك خارج البلد .. ستسافر إلى مصر وهناك تطلب اللجوء السياسي ..

لكنه قال بإصرار:

- لابد من المقاومة ..

- عن أية مقاومة تتحدث .. إنك تجابه نظاماً كاملاً .. يجب أن تتوقف عن السياسة وأن ترحل إلى الخارج

- لقد قتلوا صديقي المهندس جابر .. وصديقي الآخر عبد المعطي تم اغتصابه فخرج وهو مصاب بالجنون فقتل زوجته وأولاده وانتحر .. هل تريدني أن أترك ثأرهما .. هل تريد أن تضيع جهودنا سدى في مقاومة الدكتاتورية ! هذا لن يحدث أبداً ..

- استمع لصوت العقل .. هذا نظام كامل وأنتم حفنة من الشباب لو قتلوكم فمن سيحاسبهم .. إن كل شيء تابع للنظام ؛ القضاء ، الشرطة ، النائب العام ، الجيش ، كل شيء كل شيء .. دع الحماقة ويكفك ما نلته من تعذيب .. اترك كل شيء وسوف أوفر لك تذكرة سفر إلى القاهرة هناك ستطلب اللجوء السياسي إلى أية دولة أوربية أو أمريكا لتعش حياتك ..

- إنها قضية مبدأ يا أخي .. مبدأ ..

- لازلت يافعاً وعقلك لم يدنو من الرشد ..

-بل سأقاوم .. أما أنت فلن أطلب منك الخروج من حزبهم المتعفن لأن هذا خيارك وأنت حر ..

- من أخبرك بذلك ؟

- الكل يعلم بأنك أضحيت من قيادات الحزب ... لن أسبب لك إحراجاً فلي شخصيتي القانونية المستقلة ولك شخصيتك القانونية..

كان شقيقك مصراً على موقفه بمناهضة النظام ، وكنت خائفاً عليه من القتل ، لكنه كان شاباً في مقتبل العمر يحمل قلب الفتوة وعقلاً مليئاً بخيالات الأبطال وأوهام الحرية ، لم يفهم أبداً أو يتخيل ما كنت تسوقه له من مبررات لترك العمل السياسي والالتفات إلى مصالحه ... كانت الشقة بينكما كبيرة .

كان منهكاً مما منعه من المشاركة في المظاهرات المتقطعة التي شنها عديد من الشباب الثائر وقتل منهم الكثير على يد رجال الأمن .



***

كان عليك فقط أن تضع توقيعك ، وبيد مرتجفة فعلت ، لا تدري ما الذي يحدث ، لقد أستدعيت إلى لجنة خاصة مكونة من ثلاثة أفراد ، لم تتعرف إليهم من قبل ، وطلبوا منك التوقيع على أوراق مكدسة بقربهم ففعلت وكعادتك ابتعلت لسانك ولم تنبس ببنت شفه ، ثم دخلت إلى المكتب الصغير والمفروش بأوثر الرياش ، فتاة صغيرة –علمت فيما بعد بأنها بلغت لتوها التاسعة عشر من عمرها – طُلب منها التوقيع هي أيضاً ، فوقعت ولكن بأصابع واثقة ، ثم أخبروك بأنك أصبحت شريكاً للفتاة في شركة إستيراد المعدات البحرية ، وأن مهمتكم الأولى هي شراء يخت لرئيس الجمهورية ، وأن أرباح العملية ستذهب كلها إلى جهة غير معلومة ولا يجوز لكما السؤال عنها ، ومع ذلك فستنالان عمولة مناسبة ، كانت هذه أول قضية فساد تراها بأم عينيك بل وتكون أنت نفسك أحد ضحاياها أو جناتها في الواقع لقد درسوا أعضاء الحزب جيداً وتوصلوا إلى شخصيتين صالحتين للمهمة ، أنت لأنك صامت والفتاة لأنها يتيمة وضعيفة ، كما أنها كانت انطوائية ، هذا الحدث –ربما لم تكن تعرف- بأنه كان حجر الدومينو الأول والحقيقي في تطور نظرتنا لك ، لكنك لم تكن بعيداً عن عيني أنا بالذات قبل ذلك ، وهأنا أسرد قصة بدايتك ونهايتي لك لكي تطمئن.

***

اخترتك ، نعم اخترتك وأنا أعلم بكل شيء ، حتى الفلاش الذي يحمل الفيديو الفاضح في داخله ، أعلم حتى كيف توقفت عن ممارسة الجنس مع زوجتك منذ أشهر بسبب مخاوفك ورعبك من أن تقع في أيدينا ، في يدي أنا ، ولكن لا تخش شيئاً فأنت لا تعلم ما ينتظرك ، إنك ستكون بديلي أنا نائب رئيس الحزب ، لقد كبرت في السن ، ولم أعد قادرا على تنفيذ كل المخططات بنفسي ، صحيح أنني نائب رئيس الحزب لكنني الرئيس الحقيقي في هذه الدولة ، لماذا تبتعد عني ، هل تخشى أن أتحرش بك حنسياً ، لا لا تخش شيئاً ، سوف تدرك في يوم من الأيام أنك كنت مخطئاً حين ظننتني شاذ جنسياً ، حتى الفيديو الذي معك لن يستطيع شرح السبب السياسي لممارسة الشذوذ . عليك أن تفهم أن هذا العالم لا بد أن يسيره الإنسان ولو قسراً ، هذه التناقضات ، الصراعات ، الإرهاب والإرهاب المضاد ، كل ذلك ، وغيره ، نحن من نسيطر عليه ، نسيطر على هذا العالم بذكاء كبير ، لا تعتقد بأنك لست ذكياً ، بالعكس أنت ذكي ، فقط عليك أن تجد البيئة المناسبة لاستغلال هذا الذكاء ، الانتماء ، الانتماء لعالم أكبر ، لقوة أعظم ، لكيان يتفوق حتى على الكيان الإلهي ، عليك أن تكون جزءً من صُنَّاع الحضارات ومن يدمرونها ، أولئك الذين يرسمون سياسات العالم على القارات الخمس ، أولئك الذين يحيكون ثياب الحكومات والمتمردين والإرهاب ، ويفصلون لهم أدوارهم ، أنت الآن ستكون جزءً من هؤلاء ، لقد اخترتك لتكون بديلاً لي ، اخترتك بعناية وبعد أن راقبتك لسنوات ، لقد التقيت بكل أصناف البشر وأغلبهم انتهازيون ووصوليون ، وهم على ذلك من السهل كسرهم ، من السهل قيادهم ، أما أنت فلا ، أنت الزعيم القادم ، ورئيس الكتلة الدينية المحافظة في الدولة ، سوف تكون قائداً للمجمع الإقليمي العالمي ، فأنا أدير هذا المجمع وأرسم له سياساته ، سياسات الدول من حولنا ، من المغرب وحتى جزر القمر ، سوف تتحمل أنت هذه المسئولية العظيمة ، بعد أن يتم تدريبك تدريباً دقيقاً قد يأخذ سنة كاملة من عمرك ، سنة ستتلقى فيها ما لم تعرفه خلال مسيرة حياتك كلها.

ستسافر من هنا إلى تركيا ومن هناك إلى أمريكا ، سوف يتم الاحتفال بتدشينك عضواً في محفلنا العالمي ، وبعدها ستتلقى تدريباتك المفروضة .

***

في نيويورك قادني السائق على سيارة الليموزين إلى شارع جانبي ثم توقف أمام مبنى عالٍ روماني الطراز ذو سقف مقبب ، كانت بوابته الحديدية تكشف عن حديقة لم تشذب أعشابها وأشجارها القديمة تعرت من أوراقها فغطت بها الأرض ، عندما دلفت إلى البهو قابلني ظلام دامس وتم تغطية عيني بعصابة ، وسرت يقودني سائس إلى الداخل ، سمعت همهمة تلاه تصفيق ، وصوت رجل يقول:

-نرحب بك عضواً في محفلنا العالمي ، هنا حيث نقود العالم ، وسيبدأ احتفالنا بطقس بسيط وهو أنك ستتعرى تماماً من ملابسك وسنحممك بالماء المخلوط بدمائنا . الآن يا سادة ، أمام كل منكم سكيناً فليجرح بها كل واحد عضده ويسكب الدماء على هذه المياه الساخنة .

تم ادخالي عارياً داخل برميل به ماءً ساخن وتفوح منه رائحة الدماء ، بعدها أخرجوني ، وسمعت صوت الرجل يقول:

- لن يكتمل تدشين عضويتك إلا بعد أن يلج كل رجل من الأعضاء في هذه القاعة ذكره في مؤخرتك ، لقد اقتربت من النهاية ، الآن احني جسدك .

حنيت جسدي ، وأحسست حينها بذكر أحدهم يلج مؤخرتي بسرعة ، تلاه العشرات ، وحين انتهى الجميع تذكرت الفلاش ، ومقولة نائب رئيس الحزب من أن الشذوذ نفسه سياسة ، فهل كان يقصد ذلك ؟ بعدها سمعت صوت الرجل يقول:

- لقد تأسس تجمعنا هذا قبل أكثر من ألف سنة ، تحديداً في القرن الخامس الميلادي ، وأخذ أجدادنا يديرون العالم كله عبر هذا المحفل ، الحروب كلها ، والسلام كله ، ونهوض حضارات وزوالها ، الانتصارات والهزائم ، كانت كلها نتاج أيدي الزعماء في هذا المحفل ، نحن الذين ندير هذا العالم ، من أجل تدمير سلطة الرب ، وإقامة سلطة البشر الأقوياء ، الأقوياء فقط من يستحقون الحياة . الآن سنزيل الغطاء من عينيك ، لترى باقي الأعضاء ثم ستقوم بارتداء الملابس الخاصة بالمحفل .

تم ازالة العصابة من عيني ، وحينها رأيت على الأضواء الشاحبة ، عشرات من القادة العالميين وزعماء الطوائف الدينية والسياسيين العظماء ، وقادة الإرهاب ، ثم تناوبوا في السلام علي وهم يحتضنونني الواحد تلو الآخر ، ثم قال الرجل صاحب الصوت بوقار:

- مرحباً بك زعيماً للمحفل الإقليمي العالمي ، أنت زعيمه منذ الآن . منذ الآن سنحدد لك طريقة حياتك ، وطريقة مماتك ، منذ هذا اليوم سوف لن تكون أنت هو أنت ، بل أنت هو نحن . والآن عليك أن تؤدي قسم الولاء المطلق .

أديت قسم الولاء المطلق ، ثم قادني أحدهم إلى الخارج ، كانت السماء تمطر مطراً خفيفاً ، والأرض المعبدة تلمع من تحتي فتعكس صورتي ، نظرت إلى حيث قدمي ورأيت صورة وجهى على صفحة المياه ، وهالني ما رأيت ، كانت ملامحي تذوب في بعضها ، أنفي فوق أذني وشفاهي فوق حاجبي ، وشعري عند ذقني ، كانت تفاصيل ملامحي تنصهر في بعضها كقناع من الثلج، حينها همست :

- مصادرة التفاصيل .. مصادرة التفاصيل .. مصادرة التفاصيل ..

يوم متمرد جداً - قصة قصيرة

سأحكي لكم اليوم عن قصتي ، أنا جورجينا الفتاة ذات الثلاثة وثلاثين عاما ؛ غير متزوجة ، اقطن في غرفة صغيرة مستأجرة بحمام مشترك في حي فقير...، قصتي بدأت الساعة الخامسة صباحا ، عندما فتحت عيني من نوم مليء بالكوابيس المزعجة ، حقيقة كانت كوابيس مزعجة ، وبما انني لا اؤمن بتفسير الاحلام لذلك اعتقدت ان هذه الكوابيس ناتجة عن شجار مسائي ليلة البارحة على الفيس بوك مع شخص شديد الخبث واللؤم ، استدرجني بتعليقات استفزازية في احدى المجموعات وتبادلنا الشتائم ؛ ثم اغلقت هاتفي وتناولت قرص البروزاك اليومي ثم نمت وانا متوترة جدا ، استيقظت في الخامسة صباحا بعينين متورمتين وارهاق جسدي شديد وكان علي ان اتحول الى روبوت فأتجاهل كل هذا الألم لكي اتمكن من الذهاب الى العمل ، وكعادتي فتحت هاتفي حتى قبل ان اغسل وجهي وأطللت عليه ، وهنا تلقيت رسالة من الفيس بوك تعلن قفل حسابي لتجاوزي في الليلة السابقة شروط الاستخدام ، حقيقة كان ذلك صدمة كبيرة لي ، فهناك اصدقاء يخففون على وطأة البقاء في المكتب لساعات شديدة الروتينية والملل ، وهناك قروبات لتعليم الطبخ وقروبات لبيع الاكسسوارات النسائية المتفردة ، وكان هناك صديقي الفيسبوكي اللطيف تيسفاي ذو الاصول الاثيوبية ، والذي كان يضحكني دائما .. وضعت الهاتف جانبا ونهضت والغضب يملؤني ، فاصطدمت بالطاولة بعنف حتى سقط كوب الماء الذي اضع فيه قطعة ليمونة ليمنع اي تسمم في الماء ، انساب الماء على الارض ، نظرت اليه ولعنت كل شيء في سري ، وازداد غضبي من هذا الصباح الكئيب... هل علي ان امتنع عن الذهاب الى العمل اليوم؟ ذهبت الى المطبخ واشعلت البوتوجاز ، وضعت القهوة على الاناء مع بعض الماء والسكر ، ان غلق صفحتي في الفيس كارثة حقيقية ، حسابي ليس جديدا لكي يتم غلقه بكل هذه البساطة حسابي له اكثر من عشر سنوات ، فارت القهوة فصببتها على الفنجان وتذوقتها ثم تفلت ما تذوقته ؛ لقد وضعت الملح بدلا عن السكر . ثلاثة وثلاثون عاما من اللا شيء ... لا انجاز ... لم اكمل تعليمي في المدرسة لأنني كنت احتاج للعمل ، عملت في اكثر من وظيفة وواجهت شتى الصعوبات والمضايقات في العمل والأجر المتدني فقط لأنني أنثى . يقولون ان امريكا هي الحلم ، وانا اقول انها الكابوس ، يقولون انها بلد الحرية ولكني اقول انها بلد العنصرية واضطهاد المرأة على اوسع نطاق ، المجتمع نفسه عنصري هذا اذا كان هناك مجتمع أساسا ، تبا ، وها هو الفيس يمارس تنمره علي ويحرمني من تسليتي الوحيدة ، كنت لا ازال احمل فنجان القهوة فوضعته وحانت مني التفاتة الى ذلك المعدن الحاد ، تلك السكينة المصقولة بالليزر ، كانت جميلة جدا ولا اعرف لماذا احببتها فجأة ، احببتها حقاً وكأنها عشيق قديم ... لذلك اخذتها واحتضنتها قليلا ثم وضعتها في حقيبتي وقررت الخروج . ارتديت تنورة قصيرة زرقاء لأن الشركة التي اعمل بها تمنع ارتداء بنطلون الجينز ، رغم ان الجينز مريح اكثر في العمل ، لكننا كموظفين لا نستطيع ان نناقش سياسات صاحب العمل مهما كانت غير منطقية ، اغلقت باب غرفتي واتجهت الى الحمام فوجدت جاري الخمسيني يقف منتظرا دوره ، نظر نحوي شذرا ، ثم ادار رأسه الى الناحية الأخرى ، لم الق اليه السلام ولم يفعل هو كذلك ،كنا بالفعل عدوين صامتين ، انفتح باب الحمام وخرجت السيدة كاتي العجوز ، حيتني ومضت ، نظرت الى الخمسيني الوقح لكنه لم يكترث واراد الدخول الى الحمام قبلي ، حينها لم اتمالك نفسي واخرجت السكين بسرعة وغرستها في ظهره... صرخ صرخة مكتومة ثم تكوم على الأرض ، ازحت رأسه بحذائي حتى اتمكن من الدخول الى الحمام. وبعد ان قضيت غرضي خرجت ولم اهتم بحثة الخمسيني بل اسرعت لألحق بالباص . كنت واقفة ممسكة بعلاقة الايدي في منتصف الباص ، كان الباص يترنح قليلا واترنح معه ، نعسانة جدا ومرهقة ، وحين توفر لي مقعد القيت بجثتي عليه بكل ثقلي ، كانت فتاة عشرينية او ربما لم تبلغ العشرين تجلس قربي ، كانت سوداء ترتدي شورتا قصيرا ، واظافر يديها الصناعية الطويلة والحادة مطلية بألوان مشرقة... ورائحة عطرها النفاذ اخترقت خياشيمي ، رائحته جميلة ولكنها لم تكن تتفق ومزاجي هذا الصباح الكئيب ، فجأة ندت آهة من فم الفتاة واشارت برعب الى يدي وهي تهمس: دم ... القيت نظرة على يدي فوجدتها ملطخة بالدماء ، نظرت الفتاة الى وجهي برعب ، واتسعت عيناي من الغيظ ، وبدون تردد اخرجت سكينتي واغمدتها حتى النصل في قلبها الطري.... شهقت الفتاة ثم انكفأت على مسند المقعد الذي امامها ولم يشعر احد بشيء ... وصلت الى العمل ، العمل المقيت ، العمل الذي لا يحبني فيه احد من الزملاء ، انهم في الواقع لا يحبون حتى انفسهم ، اتجهت من فوري الى الحمام فغسلت السكين ويدي ، وكم قميصي من بقايا الدماء ، وعدت الى مكتبي ، جاءتني الفتاة الشقراء ذات الثمانية عشر عاما والتي تعمل سكرتيرة المدير وتقدم له خدمات أخرى ، انحنت بشفتين حلوتين على اذني وهمست: المدير يريدك. حملت حقيبتي واتجهت الى مكتب المدير ، لم يلتقي بي المدير في مكتبه منذ ثلاثة اشهر ، هو غالبا لا يحضر بانتظام ، فهو ابن صاحب الشركة ، طرقت الباب ثم فتحته ودخلت ، كان النعاس يقتلني والارهاق يرعش اوصالي ، قلبي كان يخفق بشدة ، حتى انني لم اسمع المدير حين ناداني بإسمي ، ثم كرر كلامه: جورجينا؟ حينها انتبهت له فقال: تعرفين ان الشركة تمر بصعوبات جمة هذه الاشهر بل منذ الأزمة الاقتصادية ، لقد انهار سوق العقارات ...لم اسمع ما تبقى من كلامه بل قاطعته قائلة: هل تقيلني من العمل؟ لوى شفتيه بحزن مصطنع وأومأ برأسه ايجاباً ، نهضت من مقعدي وشعرت به مندهشا حينما رآني ادور حول مكتبه واتجه اليه ، ابتسم قائلا: هذا لن ينفع انني لا ارغب في الجنس الآن وفي كل الأحوال فقرار رفدك نهائي. قلت له وأنا اخرج سكينتي الحبيبة ؛ ومن قال انني ارغب في الاحتفاظ بالوظيفة ، اتسعت عيناه برعب وهو يرى السكينة وهي تنفذ من رقبته الى الجهة المقابلة ... امسك حلقه محاولا التنفس فسالت الدماء الغزيرة وغطت يديه وقميصه وربطة عنقه ثم سقط من كرسيه الوثير على الأرض وهو يرتعش... لم اكمل المشهد بل وضعت سكينتي في حقيبتي وخرجت من مكتبه ، ثم من الشركة ، كان الشارع لامعا من بقايا أمطار ليلة الأمس ، قررت التجول لمشاهدة الملابس المعروضة في المحلات ، كنت في الحقيقة ابحث عن طقم بني بالكامل ، بلوزة بنية ، تنورة بنية ، حذاء بكعب عالي بني ، وعقدا بنيا بخرزات بيضاء . كانت المحلات قد شرعت في فتح ابوابها ، رأيت على الفترينة في احدى المحلات فستانا قرمزيا رائعا ، كان قصيرا بعلاقة اكتاف عارية ، انه يصلح لسهرة رومانسية ، رغم انه ليس لي سوى صديق فيسبوكي حميم لم التقيه على أرض الواقع ، لكنني قررت شراء الفستان بما تبقى لي من مال ، دلفت الى المحل ، وسمعت حوارا بلغة غريبة بين صاحب المحل وصبي في الخامسة عشر من عمره تقريبا ، أدركت من سحنتهم انهم عرب ، خرج الصبي من المحل واستقبلني العربي بوجه متجهم ، سألته عن سعر الفستان ، فرفع انفه عاليا وقال بكل وقاحة: انه غال يا سيدتي ؛ طار النعاس من عيني تماما ، اختفى الارهاق من عظام جسدي ، ووجدت نفسي اخرج السكين وانهال بها على صدر العربي الوقح ، طعنة طعنتان ثلاث طعنات اربع خمس ست سبع حتى بعد ان سقط على الارض واصلت الطعن الى ان تجاوزت غضبي ، فنهضت من فوق الجثة وأنا ألهث ، مسحت السكين برداء القتيل الصوفي ، ثم وضعتها في حقيبتي ، وخرجت من المحل ، خرجت بنشاط وبخطوات سريعة ، انعطفت الى شارع رئيسي ، ورأيت ازدحاما على الشارع ، فتيات مراهقات واولاد مراهقين ، قادني الفضول الى المتجمهرين ، وهناك سألت احدى الفتيات محاولة ايصال صوتي لمسامعها جراء الصراخ : ماذا يحدث؟ قالت الفتاة وهي تضحك بهستيرية انه مارك ، مارك زوكربيرج بنفسه. قلت لها: أين هو؟ صاحت : هناك انه ينزل من سيارته الرياضية . بالفعل كان مارك يرتدي شورتا كاكياً قصيرا وتي شيرت متواضع ، حيا الجمع المحتشد بابتسامة واسعة ، حينها تقدمت نحوه ببطء كنت احاول الا الفت الانتباه بقدر الامكان لذلك جعلت خط سيري يبدو وكأنني لا اتجه نحوه ، ثم اخرجت سكينتي بسرعة وانقضضت عليه ، طوحت بالسكينة في الفضاء وانهلت بها على صدره بعنف لكنه حمى صدره بكفه فاخترقت السكينة ساعده ؛ وقبل ان اكرر المحاولة انقض علي حارسان اسودان وطرحاني ارضا على بطني وكبلاني من الخلف ... كنت اصيح بهستيرية: لماذا اغلقت صفحتي ايها الدكتاتور الحقير ، لماذا لم تمنحني محاكمة عادلة ايها المتنمر ، كان مارك مذهولا ومرعوبا فأجلسه الحراس على السيارة واغلقوا الباب عليه ثم انطلقت السيارة به بعيدا ... وجدت نفسي في السجن ، متهمة بعدة جرائم قتل من الدرجة الأولى وجريمة شروع في القتل .. ها أنا احكي لكم قصتي وانا من خلف القضبان ؛ لكي اخبركم كم انا سعيدة بذلك اليوم الذي لن انساه ولم ينغص علي سعادتي سوى فشلي في قتل مارك ، لكنني في كل الأحوال اشعر بأن الثلاثة والثلاثين عاما التي انقضت من حياتي لم تذهب هباء .... لقد قتلت ... نعم قتلت .. وهذا ليس بالشيء الهين... فكم شخصا منكم قام بقتل اعدائه منتقما من قبل.. كم منكم فعلها ايها الحمقى.

 

 

جورجينا

قصة انتحار صبية

✍ كطبيب كان علي اجراء فحوصات سريعة ، وجهها كان يزداد زرقة كلما مضى الوقت ، رغم ان اعراض كثيرة وجوهرية لم تظهر في جسد الفتاة المغمى عليها . كالاسهال والقيء او حروق بالفم او خلافه لكنها كانت قد شرعت في الانتحار ، فحسب ما أخبرني والدها والهلع يربك قدرته على الكلام أنها ابتلعت اقراصا عديدة من دواء لا يعرف كنهه ، ازرقاق الجلد يشي بانتحار عن طريق استنشاق أبخرة سامة وليس ابتلاع اقراص دوائية ، ومع ذلك قررت اجراء شفط للمعدة ؛ ثم اتخاذ الاجراءات الأخرى على نحو عاجل.

الصبية كانت في السابعة عشر ؛ هل يمكن ان اسميها صبية؟ فهذه سن مضطربة جدا ؛ حيث تقف بين الطفولة والبلوغ ، ولا يستبعد فيها الانتحار.

كانت نحيلة الجسم ، ومقبولة الجمال ، تمدد جسدها على سرير المستشفى باسترخاء كامل ، وبدا لوالديها أنها لن تستيقظ أبدا ؛ رأيت ذلك في أعينهما الجزعة. التحاليل كلها كانت نظيفة ، الدم والبول وخلافه ، كان هناك شيء ما يدفع بهذه الفتاة الى الموت بسرعة. مع ذلك كان تنفسها طبيعيا ، دقات قلبها منتظمة. كطبيب مبتدئ لم افهم شيئا ، اتصلت برئيسي الطبيب ذو الستين عاما ، طبيب مخضرم لكن الخرف بدأ يتسرب اليه كما انه لا يتواجد بصورة مستمرة ، عرضت عليه حالة الصبية ، فقال بأنه بات قريبا من المستشفى ثم أخذ يسب ويلعن مستشفيات الحكومة ووزارة الصحة .. حتى انني اغلقت الخط وهو لا يزال مستمرا في الصراخ بشتائمه النابية. مضت ربع ساعة من الزمن ووجدته يدلف الى بوابة المستشفى ببطء ، ذهبت اليه وقلت له أن الفتاة لم تتحسن فسألني:

- أي فتاة؟

قلت له: الفتاة التي حاولت الانتحار تلك التي اخبرتك عنها في الهاتف.

انكمشت تجاعيد وجهه وهو يحاول التذكر ، ثم قال: لا اتذكر شيئا أين هي الآن؟

قدته الى القسم ، لأنه كان ينسى طريقه دائما ؛ أحيانا كثيرة يدخل الى الحمام ويبقى لدقائق حتى يتذكر الى أين كان ذاهبا. وعندما يتذكر ويذهب كان ينسى سبب ذهابه الأساسي.

عندما وصلنا حيث تتمدد الصبية وضع عصاته الأبنوسية على الكرسي وتقدم من الفتاة ، أخذ ينظر الى وجهها الأزرق بتمعن ، ثم بدأ يبحث في جيوبه عن شيء ما ؛ اعطيته سماعتي فأخذها ومررها على صدر الفتاة ، نظر لي وقال: اين نتائج التحاليل؟ دفع والد الصبية بالأوراق للطبيب العجوز فقرأها. فزم شفتيه وعاد للنظر الى وجه الفتاة المزرق ، فتح عينيها بأصابعه المرتعشة ، ونظر الى بؤبؤي عينيها. ثم وقف باستقامة جندي ، وظل صامتا وانا ووالدا الفتاة ننتظر منه تعليقا. وفجأة انقض على الفتاة وصفعها صفعة قوية فندت آهة من شفتيها ثم أخذ يصيح:

- انهضي يا بنت الكلب.... تضيعين زمننا في تمثيلياتك التافهة...

قفزت الفتاة وهي تصيح باكية:

- انهما حتى لم يبكيا على موتي...كنت اعلم أنهما لا يحبانني...

صاح الطبيب العجوز:

- حماقات المراهقات التافهات المعقدات النرجسيات... هل تعلمين الزمن والجهد والمال التي تكلفها والداك وتكلفها الطبيب هنا بدلا عن الاهتمام بمرضى حقيقيين...

أخذ يلاحقها ويضربها بلكمات وصفعات مؤلمة وهي تصرخ وتبكي ... والداها ظلا صامتين في دهشة ابكمتهما تماما...

قال الطبيب العجوز وهو يشدها من شعرها:

- كنت تكتمين انفاسك لفترة طويلة حتى يزرق لون وجهك ... وماذا ابتلعت؟ اكيد حلوى...

قالت الفتاة باكية: أتمنى أن أموت حقيقة حتى اراهما وهما يتعذبان من الألم...

صاح العجوز: وكيف سترينهما وأنت ميتة أساسا؟...

قالت باكية: لا أعرف ولذلك لم انتحر...

تركها وحمل عصاه وخرج.... خرجت وراءه بسرعة ؛ ثم دخلت الى مكتبه وجلست قربه وسألته:

- كيف عرفت أنها تمثل؟

فتح عينيه وقال:

- من هي؟

قلت: الفتاة؟

قال: أي فتاة؟

ثم أغمض عينيه من جديد ، وغمغم:

- اذا قررت تركي هنا فاغلق الباب معك ...لا أعرف أين أنا ولا من أنت ولا ماهذا المكان ... لكنني لن اهتم لذلك.... فالتكييف بارد ورائع.....

(تمت)

نحو السلام الانساني - قصة قصيرة

 

 

نحو السلام الإنساني - قصة قصيرة

 

أمل الكردفاني

 

قبل أن أبدأ في كتابة هذه القصة الوعظية المملة كروايات بلزاك الارثوذوكسية ، سأصنع كوب شاي باللبن ، ثواني وأعود اليكم ؛ .................. ؛ الغرض الأساسي من كتابتي لهذه التجربة الناجحة والرائعة هو منح الأجيال القادمة مشكاة يتلمسون على ضوئها طريقهم نحو المستقبل لمواصلة مسيرتنا كأسلاف يفتخر بنضالهم من أجل مبادئهم المثلى وايمانهم الذي لا يتزعزع بالانسانية والسلام الانساني. لابد للأجيال القادمة أن تمتلك ماض أخضر وكما يقول المثل من ليس لديه كبير فليشتري له كبيرا.

لقد عينت أمينا اعلاميا لمنظمة السلام الانساني ؛ هناك عشرات من المنظمات كانت تحمل ذات الاسم في ذلك الوقت ، لكن منظمتنا لم تكن كأي منظمة. في أثناء الحرب الأهلية الطاحنة التي اهلكت الحرث والنسل ، كما يقال دائما كنت انا جنديا شابا ضمن مليشيات كونها حزب قوى الهامش الوطني لمقاومة استبداد واستئثار عرقيات أخرى بالسلطة والثروة لسنوات أو حتى لعقود.... مليشياتنا كانت خفيفة الحركة وسريعة ، وأرهقت جيش الحكومة. هذه الأخيرة قررت أن تخلق بدورها قوات خفيفة الحركة اقل التزاما بضوابط القانون العسكري وتعتمد على عدد قليل من الضباط ، مع اسلحة خفيفة ومدرعات سريعة وأقل حماية مما يجب... كانت فكرة عبقرية من النظام ؛ فلقد استطاعت هذه المليشيات ارهاق قواتنا ، فالسرعة التي كانت سبب تفوقنا انتهت بالاضافة الى أن مليشيات الحكومة كانت تحصل على دعم متواصل وسخي.. وهكذا مال الميزان قليلا الى صالح النظام. دماؤنا كانت حارة جدا ، زادتها اشعة الشمس الحارقة سخونة ، الغضب الأعمى والرغبة في افناء الآخر كانت هي التي تطلق الرصاص ، الدوشكا التي كانت مخصصة لحصد الطائرات تحولت لحصد المشاة من الأعداء. ليس مدهشا أن تشاهد زميلك يسقط بعد أن تنفجر جمجمته وتتحول الى اشلاء من الدم والسائل الدماغي الشفاف والمخ. ليس مخيفا أن تصاب ساقك برصاصة فتهشمها تماما دون ان تشعر بذلك الا حين تحاول التحرك من موقعك . كنا نمارس سياسة الأرض المحروقة وكان العدو يفعل ذلك أيضا ؛ الاغتصاب الجماعي ، قتل المدنيين حرق الاكواخ ، نهب المواشي ، مهاجمة الأسواق ، .... كانت الحرب تستبيح كل المقدسات الأخلاقية. لا احتاج طبعا أن احكي بالتفصيل الآلام التي تخلقها الحرب ، فهذه معلومات متوفرة لمن لم يتذوق طعم الحرب يوما ما . لكن لابد من هذه الاشارة الصغيرة لهذه الآلام لكي تتمكن الأجيال التي ستحمل الراية من استشعار خطورة المهمة التي انجزها اسلافهم. إن التحول المفصلي حدث في ساعات قليلة لكل مجريات الحرب ، حدث غريب جدا ومدهش ، فلمدة ثلاث ساعات ظلت الامطار الغزيرة تهطل فوق رؤوسنا ورؤوس اعدائنا ، المطر الغزير اوقف الحرب تماما ؛ فالأرض الطينية التي تحولت الى مستنقعات وضعف الرؤية ، ومحاولة حماية الذخيرة ، وانقطاع الاتصالات بين الوحدات ، كل ذلك أدى الى هدنة مؤقتة بين المليشيات. نصبنا الخيام ونصب الاعداء خيامهم على بعد كيلو مترات قليلة ، لقد كانت خطتنا هي بلوغ الجبل لكي نتحصن فيه وقد ادرك العدو ذلك فحاول عرقلة سيرنا وهكذا التحمنا في منطقة سهلية واسعة وهذا من أشد ساحات العمليات خطورة لانعدام التأمين اللازم. هنا حيث تكون الشجاعة والثبات هما العنصر الحاسم للنصر. كنا في الواقع نحتاج لهذه الهدنة الاجبارية بعد ساعات من قتال مرير ودموي ، صوت رشح المطر مختلطا بالرعد والبرق ورمادية السماء المدهونة بالغمام السخي ، سرب الى نفوسنا شيء من الغبطة ورغبة جماعية لتأمل الواقع بقلب متبصر ، ويبدو أنني لم أكن الوحيد الذي تمنى ايقاف هذه الحرب فالقائدان من الطرفين شعرا بنفس تلك الرغبة ، لقد كان المطر الرائع يعزف موسيقى السلام داخل قلبيهما ، فقررا اللقاء معا للتفاوض. وقد تم ذلك دون انتظار توقف المطر. كانا عجلين جدا ، وكنت مرافق وحارس القائد العظيم ، حيث التقى بنظيره تحت خيمة في وسط المسافة بين المعسكرين. جلس الرجلان واجمين لدقائق ، كانا يحدقان في بعضهما ببرود. وكنت والمرافقين ننقل ابصارنا بين القائدين في انتظار بدء الحوار. القائد الآخر أخرج علبة سجائر وقدم لفافة منها لقائدنا العظيم الذي اخذها ثم أخرج مبسما ذهبيا حشر في فجوته عقابها واشعلها وظل الرجلان يدخنان بصمت وبتأمل عميق. أحسست حينها أنهما كانا في الواقع يتحاوران بلا صوت...وكان صوت المطر هو من يوجه الحوار الى نهايته التي تمثلت في أن مد قائدنا كفه الى القائد الآخر ، هذا الذي نظر الى كف قائدنا ثم لم يتردد في مد كفه هو الآخر لمصافحته.

ثم خرج القائدان دون ان ينبسا ببنت شفة. لقد تم الحوار دون أن يحدث. مع ذلك فعندما وصلنا إلى معسكرنا أمرني القائد بكتابة بيان عسكري بما تم... نظرت الى القائد بدهشة ؛ فنظر لي بقسوة ؛ حينها حنيت رأسي معلنا خضوعي للأمر. توقفت الأمطار بشكل متدرج ولم يبق منها سوى رزاز خفيف لكن الغمام ظل يراوح مكانه ويصبغ الكون برمادية كئيبة وعاطفية ، جلست داخل الخيمة وأخرجت كراسة وقلما لكتابة بيان عن حوار لم يحدث فيه أي حوار...وكان على أن اكون صادقا في كل حرف أكتبه فأصغر معلومة كاذبة يمكنها أن تؤدي الى نتائج كارثية...هنا حيث يكون للصدق قيمة كبيرة في صيانتك من الوقوع تحت طائلة المحاكمة العسكرية. وهكذا قررت أن أكتب هذه القصة على هذا النحو. حملت الورقة وقدمتها للقائد ؛ الذي تأملها بعدم اكتراث ثم قال:

- هذا ليس بيانا عسكريا ... هذا خطاب حب وعشق... الا تعرف كيف يكتب الخطاب العسكري؟

اسقط في يدي ولم اعقب ، مزق القائد العظيم البيان . وقال: سأخطر القيادة السياسية فقط. لا نحتاج لبيان.

ظللت صامتا وظل هو يدخن بتأمل عميق. قال:

- اجلس.

نفذت الأمر على الفور . وجلست قبالة القائد ، ثم كسر الصمت بيننا صوت زقزقة سرب عصافير منتشية برزاز المطر ، كانت تعبر السماء بسرعة وتصيح بضجيج جماعي لرفض شعورها بالعزلة ومحاولة الاندماج مع الطبيعة الخلابة. قال القائد:

- القيادة السياسية لن تقبل بما حدث...سواء قيادتنا أم قيادة الطرف الآخر...فالحرب هي مصدر رزقهم المستمر... نحن لسنا سوى وقود لها وبيادق لهم.... حاربت لعقدين من الزمان ؛ حاربت دون تساؤل ، ودون نقاش ، فالعسكرية تجري داخلي مجرى الدم...إن لم اطلق رصاصة كل يوم أشعر بفراغ عريض.. إن لم اسمع صوت الذخيرة أصاب باكتئاب...ان لم ارتدي بذتي العسكرية وعلى أكتافي الاسبليطتان الموشيتان بالنجوم والنسور ، لا أشعر بأنني رجل... لكن هذه المطرة التي استمرت لساعات قليلة دفعتني الى تأمل حقيقتنا كبشر ، كحاملي آيدولوجيات ورغبات وأطماع... نحن الذين نطالب بالحرية وفق معاييرنا المتناقضة .. كل هذا جعل الحقائق تتكشف أمام بصري. إن اردنا الحرية والمساواة والعدل فلن يتم ذلك الا عبر السلام...ولا شيء سوى السلام...الحرب وسيلة تكتيكية للوصول الى ذلك السلام ، وعلى أية حال فلكي نبلغ السلام لابد أولا من أن يعترف كل طرف بالآخر وبحقه في الوجود. أما الحرب فهي رفض لوجود الآخر ومحاولة لإفنائه ، وهذا ما يؤخر اعترافنا بالحقيقة وبشرط السلام الأولي. ما حدث بيني وبين القائد الآخر لخص كل هذه الرؤية.. لقد تصافحنا وهكذا اعترف كل منا بالآخر... كان ذلك كافيا جدا على ما أعتقد ولقد اتفق هو أيضا معي في هذا الاعتقاد. ربما تتساءل داخلك عن مشكلة التفاصيل. في الواقع التفاصيل ليست مشكلة بعد تحقيق شرط الاعتراف... التفاصيل تكون مشكلة عندما يكون الاعتراف بالآخر كاذبا وزائفا ومخاتلا.

كنت أفكر حينها في تعديل وضع قبعتي ، لكن ذلك يخالف الاحترام والانضباط العسكري ، رغم أننا نجلس جلسة ودية ، قلت:

- هل تسمح لي بتعديل القبعة سيدي؟

اغمض عينيه وفتحهما ، فعدلت القبعة التي كانت مشدودة بشدة من الخلف حتى اصابني ذلك بالصداع. ارخيت حزامها قليلا وارتحت ، وظللت جالسا في صمت.

قال القائد:

- البارحة كنت اطالع صورا قديمة لي ولعائلتي ... صورا قديمة جدا حيث كنا أطفالا أبرياء النظرات...

انكمش وجه القائد ثم انفجر باكيا والدموع تهطل من عينيه.. قال دون أن يتحرك:

- ماذا حدث لنا ... لماذا اخترنا هذا الطريق... طريق القتل والدماء.....لقد انجرفنا وراء وهم العظمة ... حتى الحقوق كان بامكاننا ان نستخدم اساليب أقل دموية للمطالبة بها...

مسح عينيه بكم قميصه.. وجر نفسا عميقا ...

- ان كان ولابد من فرض السلام فعلينا ان نقاوم القيادة السياسية التي تاجرت بنا لعقود......منذ اليوم سيتغير اسم حركتنا الى منظمة السلام الانساني... نعم .. فالسلام الانساني سيكون رسالتنا هذه...غدا ستتحرك ارتالنا العسكرية لاقتلاع السلطة من التجار السياسيين وسنبسط السلام على كافة ارجاء الدولة...

***

كان عقلا الضابطين متماثلين ومتوافقين ؛ لقد قررا التحالف تحت منظمة السلام الانساني والدخول الى العاصمة والاستيلاء على السلطة ، لقد كان تحالفهما الصامت والسريع هذا محققا للصدمة والمفاجأة اللازمين ، حيث فقدت القيادة السياسية القدرة على جمع شتاتها بسرعة ، وخلال ساعات قليلة كانت جميع القيادات السياسية داخل السجون.

بحكم متابعتي للقائد العظيم تم تعييني في أول تشكيل حكومي كقائد لحماية أمن السلام الانساني ، وهكذا تشكلت وحدة خاصة لتحقيق هذا الهدف السامي ؛ وحدة حماية السلام الانساني ؛ لقد منحوني سلطة مطلقة في رسم آليات العمل ؛ كانت ثقة عظيمة من القيادة وكنت كفأ لها ، قمت بتقسيم الوحدة الى أوتار ، كل وتر لديه مهمة واحدة لتحقيق الغاية النهائية. فهناك وتر الدعاية والاعلام ، وهناك وتر الرقابة ، وهناك وتر الوقاية ، وهناك وتر الدفاع المضاد وهناك وتر التقييم ثم أخيرا وتر الدراسات الاستراتيجية ودراسات المستقبل.

كان القائد العظيم يحصل يوميا ومنذ الصباح الباكر على تقارير مفصلة عن حالة السلام الانساني ومؤشرات استقراره داخل الدولة. وعن درجات قياس إيمان الشعب بضرورة السلام الانساني ، لقد كان الشعب مفعما بالأمل ، فلا أحد لا يحب السلام الانساني سوى تجار الحروب من الخونة والعملاء ... هؤلاء الذين حاولوا دائما زعزعة السلام الانساني عبر بث الفتن والسموم ، وتحريض الشعب على التمرد ، لكن الشعب كان أذكى منهم ، تجار الحروب من الخونة والعملاء كانوا يتلقون الدعم الخارجي الأجنبي لتهديد سلامنا الانساني ، وكنا نرصد كل تحركاتهم بدقة ، لقد حصلت على تفويض مطلق بالتعامل الحاسم مع كل من يهدد سلامنا الانساني ، وكنت استمد شجاعتي من إيماني بالسلام الانساني ومن إيماني بعزيمة واخلاص القائد العظيم.

إن الأهداف والغايات العظيمة لا تتحقق الا بالكثير من التضحيات ، فمن لا يؤمن بالسلام الانساني لا يستحق الحياة ، لا يستحق حماية القانون ، لا يستحق سوى السحق حد الفناء. وهكذا كان علي تنظيف الدولة من أعداء السلام الانساني بعمليات تطهير عميقة ومستمرة ، تطهير كل مفاصل الدولة من هؤلاء الاشرار محبي الحرب والموت والقتل أعداء السلام الانساني...كانت حربي عليهم بلا هوادة ، وتدميري لهم بلا رحمة ... وقمعي لأصواتهم المنكرة لا تردد فيه.... ان السلام الانساني كرسالة خالدة لا يتحمل الشفقة أو التهاون او التعاطف..فهو كل ما نملكه في هذه الحياة....كل ما نملكه حقا....

 

(تمت)

 

 

النزعة الفلسفية للرواية.. تعقيب صغير

كتب جيمس رايسون أحد محرري مجلة التايمز مقالا بعنوان النزعة الفلسفية للرواية ترجمته الى العربية عزة نور الدين ، كانت اول جملة طرحها المقال التساؤل التالي (هل يمكن للروائي أن يكتب مستخدما التقارب الفلسفي في افكاره وطرق تعبيره؟؟

وقد اورد رأيين احدهما ينفي وآخر يثبت امكانية ذلك . واهم ما ورد في النفي هو قول الكاتبة ايريس مردوخ وهي استاذة فلسفة وروائية بأن الفلسفة والأدب مسعيان بشريان مختلفان ، حيث أن الفلسفة تدعو العقل التحليلي الى حل المشاكل المفاهيمية بلغة صريحة بعيدا عن النزعات الأنانية غير المستقرة ..مردفة.. بأن الادب يتطلع الى الخيال باستخدام لغة خاصة تتضمن الغموض والتشويق كي تبين لنا شيئا محددا عن العالم ، وتعقب قائلة: أي ظهور لأي افكار فلسفية في روايتي فهو ليس سوى انغماس غير منطقي لما اختزنته من معرفة فلسفية.

وأما الرأي الثاني فمثلته الروائية ريبيكا نيوبر غوادشتاين والتي عقبت على قول مردوخ قائلة ( لم يكن كلام مردوخ دقيقا، واتساءل كيف يمكن لفيلسوفة مرموقة مثل مردوخ ان تتنكر لخاصية اساسية ساهمت في تشكيل حياتها الذهنية والفنية).

 

في الواقع أرى ان هذا السؤال عميق جدا هو سؤال حقيقي لم يتجاوز ذهني منذ طفولتي أي منذ أن كانت امي تحكي لي قصص الاطفال او منذ ان كنت اقرأ كتب الأطفال والتي كانت تنتهي لتحكي حكمة ما ، ومرورا بروايات الجيب والروايات البوليسية والعاطفية التي تهم المراهقين وانتهاء بروايات النخبة اذا جاز الوصف. هذا التساؤل عن النزعة الفلسفية للكتابة الروائية في واقعه أراه تساؤلا مقلوبا ، فهو يتساءل عن حدود الرواية ، في حين أن الأكثر قدرة على معالجة هذه القضية هي ان نتساءل عن حدود الفلسفة لا الرواية . فاذا لم تكن كل فلسفة رواية فإن كل رواية فلسفة مهما بدت تافهة او ساذجة بهذا التقييم الاستعلائي ، مالذي يمنع من ان تكون قصة الاطفال التي تحكي عن عدم أكل الثعلب للبطة في يوم العيد فلسفة؟ اذا كانت الفلسفة هي بين حدي حب الحكمة او ابداع المفاهيم ، فإن قصة البطة والثعلب لا تخرج عن كونها فلسفة حين تعطينا حكمة عن الالتزام الاخلاقي الذي بدر من الثعلب تجاه البطة واحترامه للهدنة التي يفرضها يوم العيد كيوم مقدس يجب ان يسعد به الكافة ، وهذا يعكس لنا فلسفة أخلاقية ما ، وكذا الحال في سائر القصص والروايات والمسرحيات. فحين نتساءل عن حدود الفلسفة فنحن اذا نجيب على هذا السؤال ماهي النزعة الروائية للفلسفة وليس النزعة الفلسفية للرواية. هنا تكون الاجابة واضحة تماما. ان الفلسفة لا حدود لها في الواقع ، مهما رسم لها الفلاسفة من أطر ومهما حاولوا حصر مواضيعها . وبالتالي فان سؤال الرواية والفلسفة هو سؤال عن ماهي الفلسفة ؟ وليس ماهي الرواية.

يمكننا أيضا أن نأخذ في الاعتبار -ونحن نتساءل هذا السؤال - فنيات طرحنا للفلسفة عبر الرواية ، فنحن نتفلسف شئنا أم أبينا ، حتى عندما نحكي نكتة او طرفة او عندما نتجادل في كرة القدم ، ففعل التفلسف قائم في كل انشطتنا الذهنية ، ومادام الأمر كذلك فالسؤال الصحيح كيف نطرح فلسفتنا في قوالب مهضومة ومقبولة ، وهذا نفسه سؤال فلسفي وليس منهجي فقط ، حين نختار مثلا ان نمارس فعل التفلسف مباشرة عبر كتابة أكاديمية ومنهجية أو نمارس التفلسف عبر رواية او قصة او مسرحية او نكتة او حتى خطاب سياسي أو حتى حين نخاطب الجيش والشعب عندما نعلن الحرب ، فالقضية قضية خياراتنا عندما نحاول اجتزاء فلسفة معينة ومحددة واصباغها بصيغة خطابية تحقق الهدف من هذا الخطاب ، ثم أننا حين نتساءل عن النزعة الفلسفية في الرواية -أي هذا السؤال المقلوب- فآننا في الحقيقة نتساءل عن مهارة التفلسف عبر الرواية ، لأن كل رواية فلسفة وليست كل فلسفة رواية كما أسلفت ، فمهارتنا في التفلسف قد تكون بطرح الحكمة مباشرة أيا كانت طبيعة هذه الحكمة (لاهوتية كما بلزاك ، انطولوجية كما كونديرا ، حياتية معيشية جنسانية كما يطرحها كويلو ) مباشرة كما فعل السابقون بالاضافة الى سارتر وايكو ام مضمنة في المعنى العام لحبكة الرواية كما هو الحال لدى كافكا وموراكامي وباتريك زوسكند وماركيز وهيكسلي وكازانزاكس كينزابورو اوي..

لاحظ أنني اتحدث عن روائيين عالميين غير مغمروين ، وعندما اقول عالميين فانني اعني أن هؤلاء واجهوا كل تحديات الرواية ، وأنهما ملكوا ناصية التخصص في مهارات الجمع بين الرواية كقصة والقصة كفلسفة بحيث يندمجان حد التوحد واختفاء كل منهما في جسد الآخر . وربما كان كافكا الأكثر تفوقا حينما لا نعرف اذا ما كانت رواية قصيرة كالمحاكمة تحمل اي قابلية للتأويل ام لا تعني شيء اطلاقا (بالتأكيد هذا الافتراض الأخير ليس صحيحا) .

يمكن لسؤال النزعة الفلسفية للرواية أن يوجه لكاتب مبتدئ ، لديه فتوة النرجسية الأولى والشعور العظيم بدوافعه الثورية لاقصاء الجيل الأقدم منه عبر ابداء اطروحات وفرضيات فلسفية مدهشة ، لكن لا يمكن طرح هذا السؤال لمحترفي الرواية. وهذا يقودنا الى عملية الحكم والتقييم للعمل الروائي -من حيث كونه بنية فلسفية- الى مدى قدرة الكاتب على القيام بما قام به كافكا (لاعتبار كافكا نموذجا مثاليا) من دمج عملية التفلسف داخل اقصوصة او حكاية. وهي عملية ليست ذائقية اعتباطية بل ايضا بها قدر من العقلنة استنادا الى نماذج وخبرات طويلة للناقد الأدبي ، وهذا ما يؤدي الى احباطات كبيرة يقع فيها الكاتب الناشيء حين لا يخضع عمله لأحكام نقدية ايجابية او حين يتم اهماله تماما من جانب النقاد.

 

 

د. أمل الكردفاني

يوم خطبة لوشي

يوم خطبة لوشي -قصة قصيرة

 

*أمل الكردفاني*

 

لم اتوقف ابدأ عن السؤال عن منزل لوشي ، نعم يا سادة فقد قال المثل ؛ ان عشقت فاعشق قمر ؛ مع ذلك فالأمر لا يتعلق بالعشق بالكامل ، لوشي وجهها جميل ولكن بها ايضا عيوب ككل شيء في الحياة. الزواج من لوشي فيه فوائد أخرى ، فمن ناحية سيتم تسليط الاعلام علي ، وستتفتح لي ابواب الوظائف ؛ يمكنني ان ادخل الى اجعص شركة بترول مملوكة للاسلامويين واقدم سيرتي الذاتية من سطر واحد: زوج لوشي. هذا ناهيك عن ان لوشي نفسها غنية وتملك منزلا او فيلا فخمة ، وبالتالي فمشكلة السكن ستكون قد حلت نفسها بنفسها.

نعم في الزمان البعيد القريب ؛ كان الرجل يرفض اي دعم مالي من زوجته ، لكن مع سياسات التحرير الاقتصادي ودخولنا الى عالم الرأسمالية واحتكار الاسلامويين لكل مال الدولة تاركين الشعب جائعا فقد تغيرت اخلاقيات الشعب ، والحياة صارت مصالح متبادلة... لقد تطورنا ورب ضارة نافعة.

جوالي النوكيا 3310 اهتز في جيبي ، ثم صاح بنغمة فرائحية ؛ هكذا شعرت ، شعرت بأن هذه حالة طارئة ، ادخلت يدي الى جيبي اخرجت الهاتف ومعه كيس الصعوت ، كانت الشمس حارقة والعرق ينحدر كشلالات من جبيني الأسمر. ومن على الجانب الآخر جاءني صوت الجنيد وهو يقول بصوت هلع وبسرعة:

- حبيبنا... جئتك بعنوان لوشي.

ارتفعت دقات قلبي ، قلت:

- لا تمزح ..انت تعرف أن هذه مسألة حياة أو موت... هناك من يركبون المراكب المطاطية ويغرقوا في البحار من أجل بصيص من الأمل...

قال بأنفاس متسارعة:

- اكتب عندك...

اخذت اتلفت بسرعة من حولي وانادي زملاء المهنة:

- قلم وورقة بسرعة..ارجوكم..

كانو ينظرون لي شذرا .. فصحت:

- سأحفظه .. فقط اخبرني بالعنوان بصوت واضح وبطيء...

حاول الجنيد تهدئة انفاسه وبدأ في تحفيظي العنوان بصبر وحيد القرن.

اغلقت الهاتف وبدأت في لملمة بضاعتي من على الأرض ، مساويك ، مراهم وفيكس ، ومطاوي امريكية ، وجوارب رجالية ، وعطور مزيفة مصنوعة من البول والسبيرتو وقليل من ماء الصابون.

جمعت بضاعتي على بقجة ووضعتها فوق كتفي ؛ صاح أحد الزملاء:

- هل هناك كشة ومداهمة من المحلية يا حبيب؟

قلت وانا أغادر بقلق:

- لا ..مشوار سريع...

حانت مني التفاتة لزميل الارض مجانق ؛ ومجانق ليس جنوبيا ولكنه اسود وطويل بقامة الدينكا ، كان يرتدي حذاء جلديا اسودا لامعا ، خلعت حذائي بسرعة وجلست افك في رباط حذاء مجانق ، كان يصيح:-

- ماذا تفعل...

قلت بصبر نافذ:

- ولا كلمة... اخلع الحذاء فورا...

كان الحذاء اكبر من حجم قدمي بدرجتين ولكن ذلك غير واضح... القيت نظرة على باقي الزملاء وخلعت قميصا احمر جميل من أحدهم .. أمرت اربعة منهم بعمل جدار بشري ثم تعريت وارتديت الملابس ، تأكدت من كل شيء ، كل شيء تمام... ، صحت في مجانق:

- حول لي رصيد بخمسة جنيهات يا حبيب....

مجانق الطيب بدأ في تحويل الرصيد بامتعاض وهو يبرطم:

- طلباتك صارت كثيرة جدا... وحذاءك اصغر من قدمي وهو يضايقني ...

قلت:

- لابأس تحمل يا حبيب... بعد الزواج من لوشي سأشتري لك طقم أحذية من المول.. هل تعرف بكم سعر الحذاء في مول الواحة... انه بالفين وخمسمائة جنيه ، اي انه اكبر من قيمة بضاعتك هذه بضعفين.

قال:

- هل انت جاد أم عزومة مراكبية.

قلت:

- اقسم بالله يا مجانق... انا لا اخلف وعودي ابدا...

سألني:

- متى وعدت فيها وعدا؟

أجبته:

- انت اول شخص اعده بشيء فأنت تعرف انني لا املك شيئا.

ضحك وهز رأسه فغادرت بسرعة بعد تمني زملاء المهنة لي بالتوفيق.

هذا اليوم رائع جدا ، رغم حرارة الشمس الا ان موقف شروني كان خاليا ، هناك حافلة ، ممتلئة حتى ثلثيها وستغادر عما قريب. جلست ومسحت العرق عن جبيني ، تذكرت صديقي أبابو الحبشي ؛ فاتصلت به:

-ابابو .. حبيبي...

- صديك ..

قلت:

- الغي كل مشاويرك بالرقشة يا حبيب... واذا استطعت ان تلمع الرقشة وتغسلها وتعطرها يكون جيدا... يمكنك ان تضع بعض الزهور البلاستيكية على المصباح اليتيم...

قال ابابو:

- لمبة.. مافي .. نور لا...

- طيب طيب...

الحافلة تهادت وهي تغادر المحطة ، نقدت الكمساري جنيهين فقال معترضا:

- تلاتة يا عمك...

- انا ذاهب لاخطب الآن..اعدك بعد اتمام كل شيء سأعطيك الجنيه المتبقي..

نظر لي ثم قال بعدم اكتراث:

- وانا ذنبي ايه؟

ثم استدرك:

- مبروك...

ثم بدأ في التحصيل من باقي الركاب...

حسنا .. وماذا يعني لو أنها لوشي... مذيعة تلفزيونية جميلة وغنية ولكنها خالية الدماغ ، اقسم انها لم تقرأ كتابا من قبل ويمكنها ان تظن ان فوكو ماركة لعطر فرنسي ، نعم كبائع متجول وفريش واعيش على التلاقيط والتشاشية لكن هذا لم يفقدني شغفي بالثقافة ... انا عصامي مجتهد .. مقاتل .. وعندما اهرب من الكشة ومداهمات المحلية والشرطة فليس ذلك جبنا ولكن لأنني اقيم الوضع جيدا .. فالشجاعة الحمقاء ضررها أكبر من نفعها ، صحيح يمكنني ان اتصل بصديقي في شرطة النظام العام ولكن هذا موضوع تافه فلن الجأ اليه الا حينما تقرر الحكومة حرقنا كما تفعل داعش ، سأتزوج لوشي الجميلة رغم تحفظي على سطحيتها لكن لا شيء كامل في هذه الحياة ، كما انها تتمتع بصفات جيدة أخرى ، ليس الذكاء حتما فهذا ما تفتقده اغلب فتيات اليوم ولكن الرقة والرومانسية ، كانسان عشت في الرواكيب ومن حولي الكلاب والقطط والحمير اعتدت على التعامل مع كافة الكائنات صعبة المراس ، استطيع ترويض اي فتاة ، فالدلوعة لها اسلحتها والمتمردة لها اسلحتها. الوحيدة التي قرفتني هي فتحية الكوزة ، فتحية كانت جارتي وهي رغم انها تتبع للحزب الحاكم لكنها كانت من الدرجة العاشرة ، متدينة تدينا حقيقيا ولذلك ظلت فقيرة وكانت تحبني ولكنها قبيحة وفوق هذا فهي متشددة جدا وهذا يعني انها ستوقظني كل فجر للصلاة وانا رجل فعيل يجب ان آخذ قسطا كافيا من النوم ... ربما كان كلام مجانق سليم حين قال ان المرأة على دين زوجها ، لكن فتحية هذه ذهبت الى الحرب في الجنوب سابقا ، حملت بندقية وذهبت .. ربما لم تجد املا في الحياة ففضلت الجنة ... على اية حال هذه خياراتها لكنها بفقرها هذا لا تصلح للزواج ، العالم تغير ، ابنة عبيد الشاعر الفقير ايضا كانت جميلة ولكنها منحلة ، لا بأس لو كانت منحلة وغنية فيمكنني ان اتحمل انحلالها وفي النهاية لن اخسر الكثير حتى لو انجبت من رجل آخر ، لكنها فقيرة وبائسة كما انها تتبع اصدقاءها من الشيوعيين والمثقفاتية وهؤلاء مدمنون على العطالة والبطالة يطلقون شعرهم ويضفرونه كبوب مارلي ويجلسون على اتينيه ليرتشفوا القهوة ويتظاهروا بأنهم أعظم من هذا العالم ... أما أنا ...وآه من كلمة أنا .. فأنا الشاب المثقف مع التواضع ، الشغيل الكسيب ، الذي اواجه شرطة الحكومة كل يوم دون أن افقد تفاؤلي بالحياة وايماني بقدراتي... اما هؤلاء المثقفاتية والشيوعيين البلهاء فهم سحاسيح ونرجسيين ، وهم عالة على المجتمع ... كما ان الفاظهم نابية جدا وسلوكياتهم منحرفة ، ابنة عبيد الشاعر لا تصلح معي فثقافتها مختلفة... أما لوشي .. فلا بأس بها ... اشياء تكمل النقص ويجب أن أنظر الى النصف الممتلئ من الكوب...

استقبلني ابابو على الشارع ، كانت الرقشة مزينة بخمس وردات ملونات ، قلت له:

- هذه قارات العالم الخمس المأهولة ... رمزية عالية منك يا أبابو...

لم يفهم ابابو كلامي ولكنه بقبق كالدجاجة ثم قال كلاما غير مفهوم التقطت منه جملا تعني : الى اين نذهب.

عنوان لوشي محفور في ذاكرتي وكأنني عشت معها قرونا طويلة ... لم اكن اعرف ان كنا وقت العصر ام المغرب ، لم اهتم حتى برؤية الساعة على هاتفي النوكيا 3310 الجميل. على فكرة.. هذا الموبايل هو اول واخر موبايل اشتريه ، قبل سنوات ، هذا الموبايل اقوى من موابيلات هذه الأيام الهشة كهشاشة اولاد الراحات في هذه العاصمة. هذا الموبايل وبلا فخر وبدون محاولة للدعاية التجارية له هو افضل موبايل خاصة انني شخصيا لم استخدم غيره وبالتالي فسيظل هو الأول ، سقط مني مرات عدة لكنه كان كهذا الشعب الجلمود الصابر ، الفايبريشان فيه يهتز بقوة حتى يكاد يقفز من جيب البنطلون ، اقوى هزاز يقابلني لأنني لم اقابل اي هزاز آخر من قبل. ولذلك يظل هو الأول... حتى بعد أن اتزوج لوشي ، وحتى بعد ان تجري الاموال في يدي ، فلن اتخلى عن هذا النوكيا البديع... جندي الصاعقة القوي.

جاء صوت ابابو:

- أااااا .. ه... ب..

فهمت اننا وصلنا ... المنزل الفخم البوابة الواسعة ، لو قال لي والد لوشي عقد طوالي بدون خطوبة وكلام فارغ فماذا سأفعل؟ لا يوجد شهود... سألت ابابو:

- ابابو..هل حصلت على الجنسية السودانية كما يفعل الكثيرون خذه الايام؟

هز رأسه ايجابا وقال:

- سودانية .. اااا .. ركم كمان ...

قلت: رقم وطني ايضا.. هذا جيد .. هيا معي اذن ...

كانت هناك ازرار كثيرة على جدار الباب ، انه الجرس ، ضغطت على احدها ، سمعت صوت موسيقى رائعة ، ابابو الحبشسوداني ضغط على الزر مرة اخرى لكي يستمع الى الموسيقى العجيبة ثم كررت انا نفس الشيء ، وفجأة تراجعنا الى الخلف سويا عندما جاءنا صوت انثوي رائع ..صوت فتاة استيقظت لتوها من النوم:

- نعم...مين؟

نظرت الى ابابو الذي كان ينظر الى الزر ببله ، قلت:

- لوشي ..

جاءني الصوت بعد تثائب خفيف:

- لأ .. ثواني...

سمعتها تقول:

- الو ... لوشي ... حرام عليك .. الا تفعلين شيئا سوى النوم... هناك شخص بالاسفل يسأل عنك...لا لم اسأله عن هويته...

مرت دقائق طويلة من الصمت ... صدرت تكة من الباب وفتح الباب رجل عجوز لم يتحدث معنا بل اشار الينا لكي نتبعه...

كان استقبالا حقيرا منه ، الحديقة واسعة وجميلة تتوزع عليها اشجار تشبه النخيل ولكنها تبدو بلاستيكية ، وقف الرجل امام بوابة ضخمة ، ثم ادار اكرة الباب فانفلق عن صالة كبيرة ارضها مفروش بسجاد راق .. قال الرجل دون ان ينظر الينا:

هووو ... هووو . ... اهووو .. هيييي...

تبادلت وابابو النظرات وقلت:

- اخرس .. انه اخرس ... وهذا مبرر كاف لاستقباله لنا بهذه الطريقة... لكن ماذا يريد ان يقول الآن ..

دلفنا الى الصالون ... وجلسنا .. كان باردا كالاسكيمو فلم تمض ثوان حتى جف ملح العرق في جسمينا ....

هناك عطر قرنفل لطيف يحوم في فضاء المكان ، وعلى يسارنا تماما انفتح باب جانبي فرأيت فتاة تحمل صينية عليها كؤوس بها عصير برتقالي ، نظر اليها أبابو ثم ندت منه كلمة ، فالتفتت اليه الفتاة وبادلته بكلمة ، يبدو انه يعرفها ... لكن الفتاة غادرت بسرعة.

التفت اليه وقلت:

- تعرفها...؟

فتح فمه ذو الاسنان المتسخة وقال:

- اااااااا... زمان... .. زمان...

ارتشفنا العصير فنزل الى احشائي كالثلج ، نظرت الى حذائي اللامع ... جيد يا مجانق ... ذوقك رائع ، الكنائس تقدم دعما بملابس فاخرة للمسيحيين .. وهذا الحذاء كيني بلا منازع ... كينيا تصنع هذا النوع الجيد من الاحذية الجلدية ..انها افضل من ايطاليا وتناسبنا كأفارقة من حيث الطول كما انها قوية وتتحمل نشاطنا كعمال مجتهدين.

رأيت لوشي تدلف من الباب ، ليس كما توقعتها أو كما رأيتها في التلفزيون ، في الواقع كانت قصيرة جدا ، وبدينة الجسد أكثر مما كانت تخفيه الكميرا... لكنني تذكرت الحكمة: انظر الى النصف الممتلئ من الكوب.

مدت الينا براحتها بكل رقة وابتسامة واسعة اشعلت قلبي وملأت النصف الفارغ من الكوب... كانت يدها بضة جدا ...

جلست بعيدا عنا ..قبالتي مباشرة..غطت فمها بيدها بحركة رشيقة ويبدو انها تثاءبت...ثم قالت:

- مرحب ...

اول اسلحتي هي اظهار هذا الحذاء الغالي لها ؛ فوضعت ساقا على ساق وقلت:

- هل تحبين المدخنين...

ندت منها دهشة وقالت باستغراب:

- لا ..

سألتها مباشرة:

- ومن يتعاطون الصعوت؟

قالت بقرف:

- وع ...

قلت وانا مسبلا جفني بفخر:

- لا اتعاطى الصعوط ولا السجائر ولا البنقو ولا حتى الخمر... انني شاب مسؤول وكسيب...

نظرت بنصف عينيها وقالت:

- هذا جيد وليس جيدا في نفس الوقت...

قلت بعصبية:

- من اي ناحية هو ليس جيد..؟

قالت:

- لا أعرف ولكن لا يمكن ان تكون متفرغا من اي مكيفات ... الم تتساءل يوما عن تلك العلاقة التي تربط بين السجائر والفلاسفة والثوريين والفنانين... سارتر مثلا ... البير كامو ... تشي جيفارا ... كارلوس ... بوليفاس ... فرويد .. الخ.

احترت قليلا ثم أجبتها:

- رولان بارت لم يكن يدخن...

قالت ضاحكة:

-كان مدخنا شرها ...

ادركت ان كذبتي لم تنجح .. حقيقة لم اكن اعرف ان كان مدخنا أم لا ... صمت فاستطردت هي:

- ما هو الرابط بين الفلاسفة والسجائر؟ هل يبدو لك مظهرا محددا لطبقية ثقافية معينة؟

اجبتها:

- لا أعرف ولكنني اعتقد انها كذلك...

اردفت:

- مع ذلك فلا مانع من ان يتعاطى فيلسوف سوداني الصعوط اليس كذلك؟

قالت:

- حتى يأتي ذلك الفيلسوف وسنرى حينها...

قلت باستغراب:

- الا يوجد فيلسوف سوداني ...

قالت:

أنا افضل الفلسفة من خلال الفن وليس الفلسفة القحة .. يمكنك مثلا ان تجد اكتشافا مذهلا للوجود من خلال روايات جويس اكثر من كتابات هايدجر المتحذلقة... ربما ستكتشف عالما حقيقيا مختبئا خلف عالم ظاهري داخل رواية من روايات كافكا اكثر من صياغات باشلار المتذاكية... اليس كذلك؟

لا اعرف لماذا تذكرت ابنة الشاعر في هذه اللحظة ، كانت اقل تفلسفا من هذه الدبدوبة المتزاهية بالمعرفة...

قلت:

- حسنا لوشي... سعدت بلقاءك كثيرا ..

قالت:

- لم تعرفني على نفسك وصديقك...

نهضت فنهض أبابو ؛ ثم قلت:

- لا شيء .. انا بائع جوال .. افترش الأرض ... وهذا ابابو صديقي سائق الركشة اللطيفة التي اتينا بها الى هنا..انه حاصل على الجنسية السودانية ولديه رقم وطني ..اليس كذلك يا أبابو؟

هز ابابو رأسه وقال:

- اااااا.. ركم... وتنية ..

عندما لفحت الشمس وجههي تلقيت اتصالا من مجانق:

- أها ... ماذا حدث؟

قلت بغير اكتراث:

- هذه متفلسفة يا عمك... هذه لا تصلح البتة...فضلا عن انها سمينة جدا من نصفها السفلى بل ولها كرش صغير ... انها لا تصلح للزواج..تخيل بعد سنتين او ثلاثة يا صديقي ..كيف سيكون حجمها ..

قال:

- المحلية داهمتنا مرة أخرى....

قلت:

- علينا ان نجد مكانا آخر لنفرش فيه... هذا المكان صار ملغوما...

 

أخذت افكر في مكان افضل لأفرش فيه... مكان ليس به تواجد حكومي ... ان مستقبلي على المحك... انه دائما على المحك.. اللعنة....

على حافة الظلام - قصة قصيرة - أمل الكردفاني

- ما معنى هذا ... نحن في شهر العسل .. فلماذا تفعل ذلك..؟

كانت غاضبة جدا ، قال بقرف:

- لا استطيع النوم مع احد في سرير واحد .. ولا حتى في غرفة واحدة ..هذه طبيعتي ماذا افعل...

صاحت: ولكنني لست عاهرة لتمارس الجنس ثم تخرج وتتركني وحدي لتنام انت في غرفة أخرى ...

اجهشت بالبكاء وهي تقول:

انا اخاف النوم لوحدي .. نم معي ... كنت انام مع امي قبل الزواج .. لا تنم معي في سرير واحد فقط لا تتركني وحيدة في الغرفة ... لابد ان تحاول تغيير طبعك هذا...

قال باصرار:

- بل انت من يجب عليك ان تعتادي على هذا الوضع ... قلت لك انني اصاب بالارق اذا نمت مع شخص آخر في غرفة واحدة ... انني لا احب السفر الى البلد لأنهم بنامون كلهم في مكان واحد ... لا استطيع .. هذا جحيم بالنسبة لي...

مسحت مخاط انفها بيدها ومسحت يدها على المرتبة وهي تقول:

- انت تعاملني كعاهرة..انا زوجتك ومن حقي ان اشعر بك .. ان احس باحضانك .. ان تمنحني شعورا بأنني انثى ... قليلا من الحنان..ليس هذا ما كنت اتخيله قبل الزواج ..

ارتدى ملابسه الداخلية وخرج من الغرفة دون ان ينبس ببنت شفة.. اما هي فقد ارتمت على السرير باكية بصمت ..

لم يمضيا اكثر من اسبوع منذ الزواج ، لكنها لم تشعر بذلك الحب الذي كانت تحلم به ، ان تنام في احضان رجل وان تشعر بأنفاسه في انفها .. ان يمسد شعرها ليلا ويمنحها الامان قبل ان تنام ... كل تلك ااحلام الرومانسية انتهت منذ اول اسبوع لها معه ، هو يحبها وهي تدرك ذلك ، لكن نومه في غرفة اخرى شيء لم تحسب له حساب .

اطفأ هو مصباح غرفته ورقد مغمضا عينيه ؛ كيف سيغير طبعه هذا من أجلها ، انه يحبها ولكنه لن يتمكن من النوم معها في غرفة واحدة . فكر قليلا .. وقرر ان يحاول ذلك هذه الليلة ولو لمرة واحدة ... نهض من سريره ودخل عليها .. ارتمى قربها ... كانت تستلقي على جنبها ... شعرت به لكنها لم تلتفت اليه ..انها تدرك انها محاولة منه لتغيير طبعه هذا ، ستحاول ان تكون هادئة حتى لا يشعر بها فيغادر ويتركها .. ، كانت تتمنى لو احاطها بذراعيه .. لكنه لم يفعل ، يكفي انها تشعر بالأمان الآن ... كان الليلة ساكنا الا من صوت ازيز التكييف ، كان يحدق في السقف بعينين مفتوحتين ، انقلب على جنبه الايمن واغمض عينيه ... غدا سيذهب الى اخصائي اجتماعي ليناقش معه هذا الأمر ، يجب ان يتغير فهو يحبها ويتمنى لو كان بامكانه ان يغمض عينيه وينام وهو يحيطها بذراعيه كما يرى في الافلام الرومانسية ، لكنه يدرك بأن ذلك سيوتره تماما ، وبما انها لم تطلب ذلك فسيكتفي بمحاولة النوم قربها . انها طفلة ، قال ذلك لنفسه .. وحاول النوم ... سمع شخيرها الخفيف ، لقد غطت في نوم عميق .. اما هو فأصابع قدمية متشنجة .. جلس على طرف السرير وضغط باطن قدمه على الارض فتوقف التشنج . ظل جالسا لبرهة ، ثم عاد لرقاده ، لقد عاني في البلد من نفس هذه الازمة ، كان لا ينام وهو في منزل والده العمدة ، لا ينام الا نهارا حين يغادر الجميع ، فيرتمي كبقرة مريضة على السرير ليغط في سبات عميق . كان كالخفاش ، ينام نهارا ويظل يقظا طوال الليل ، يدخن العشرات من لفافات التبغ في باحة المنزل ، يراقب القمر بمراحل نموه المختلفة ، يستمع الى صفير الصراصير الليلي ونقيق الضفادع ، كانت اجازته التي يقضيها في البلد كارثة كبيرة بالنسبة له ، انه لا يدرك ذلك الا حين يزور البلد ، لأنه عاش وحيدا طوال شبابه ، كان لوالده مالا كفاه شر المعيشة المشتركة مع الاخرين اثناء الدراسة ، وحتى عندما تم تعيينه استأجر منزلا صغيرا وحده ولم يشارك اي احد ، وها هو في الثالثة والثلاثين من العمر ولا زال غير قادر على تجاوز هذه المشكلة .. ولكنها لا تستحق هذه المعاملة منه ، انها طفلة ، رغم كل شيء فمن حقها ان تجد الامان قربه ، ولذلك الان فقد ادرك خطورة ما يعانيه ، وغدا منذ الصباح سيتجه الى اخصائي اجتماعي ليستشيره حول هذه المسألة ...والده العمدة يعاني من امراض الشيخوخة ، لكن اخوته يقومون بمهمة رعايته كما يجب .. عليه الا يقلق من ذلك ، كما ان زوجاته الاربعة يتنافسن على ارضائه ، ان القرية كلها تعتمد عليه ، لو مات فسيضيع الجميع ، لقد حاولت الحكومة نزع اراضيهم لولا تدخل والده العمدة ووقف عمليات المسح بقوة . تجهم وجهه تحت الظلام وهمس لنفسه: متى ينتهي شهر العسل هذا .. انه ورطة كبيرة ... اخته تشاجرت مع زوجها كما سمع وتطلب الطلاق وزوجها يرفض الطلاق ، ان مشاكلها مع زوجها لا تنتهي ، شجارات وصلت حد تبادل الضرب ، لقد رأي وجه زوجها وهو مشوه بأظافرها ورأي عينها وهي منطفئة بسبب لكماته ، والضائع الوحيد هم اطفالهما الثلاثة ، ثلاثة اطفال يعانون من مناخ شديد التلوث بحيث يحرق اعصابهم التي لا زالت طرية . لقد انتهى من التصاميم الهندسية الموكولة له ، ان هذا العصر رائع جدا ، عصر التكنولوجيا ، حيث الحاسب الآلي يقوم بكل شيء ، برنامج التصميم الذي انتج حديثا من اروع البرامج التي تعامل معها . تسلسلت الأفكار في رأسه بدون ان يكون بينها رابط معين ، الى ان شعر بالجوع ، فنهض من سريره واتجه الى المطبخ ، قلى بيضتين اكلهما بسرعة وشرب كوب ماء ، وعاد الى السرير قرب زوجته . حاول اغماض عينيه لكنه لم يستطع ، احس بأطراف اصابع رجليه تتشنج مرة أخرى ، فجلس وضغط قدميه على الارض فزال الالم ... ظل جالسا ، اسند رأسه بكفيه ، واعتصر ثقل مفاجئ صدره ، لقد اعتاد على هذا الشعور حينما يصاب بالأرق ، نهض واتجه الى الحمام ، خلع ملابسه ووقف تحت صنبور الماء ، ثقل جفناه وشعر انه الان سيتمكن من النوم... ارتدى ملابسه وعاد الى السرير حيث زوجته تغط في سباتها العميق ، سمعها تغمغم بكلمات غير مفهومة ، مدد جسده وقال: انها تحلم ...انقلب على جنبه الايسر ورأى تفاصيل جسدها وهي متكومة على جنبها ، جسدها نحيل جدا ، شعرها يتدفق بنعومة امام وجهه ، احس برمال تحت جفنيه فأغمضهما ، لكن الأرق طارده ، فجأة تداخلت صور كثيرة في عقله ، واجتر شهقة قوية فأدرك انه غفا غفوة قصيرة ، سينام ، لماذا لم تستمر هذه الغفوة ... شعر بغضب يملأ صدره ، وتمدد التشنج في جسده كله ، شعر ببرودة في وجهه وبوخزات خلف اذنيه ، سأنام اللعنة ، لكن ذلك لم يحدث ، تملكه خوف مفاجئ ، انه يخاف الأرق ، يخاف الا ينام أبدا ، انه خوف غير مبرر تبريرا منطقيا ، ارتفع شخيرها او ان سمعه صار اكثر حدة ، شخيرها يزيد قلقه ، مضى الوقت ببطء شديد ، كان الزمن مسموما ، وهناك رائحة تخرج من جهاز التكييف ، رائحة عشب بري محترق ، وظلام الغرفة يزداد كثافة ، اخذ يتنفس بصعوبة ، اخرج لسانه واخذ يلهث كالكلب ، سأنام ... لكنه لم ينم ... سمع صوت العصافير وهي تزقزق باستحياء فأدرك انه الفجر ، ارتاح لذلك كثيرا ، التفت الى زوجته فوجدها قد انقلبت على جنبها الاخر وهي تغط في نومها العميق ، ارجوك ان تستيقظي ، حدث نفسه متمنيا ان تستيقظ ليغادر الى الغرفة الأخرى وينام ، انها تنام طويلا ، يجب ان تغير هذه العادة ، يجب ان تستيقظ مبكرا وتبدأ في الطبخ وغسيل الاواني وتنظيف المنزل كما تفعل نساء القرية ، انهن يستيقظن منذ صياح الديك ، ويقمن بأشغال المنزل ، ويجهزن الشاي باللبن والزلابية للرجال. لكنها ليست مثلهن ... سأنام ... لكنه لم ينم ...

كانت ليلة كارثية جدا ، وما ان استيقظت هي حتى غادر الى غرفته واغلقها عليه بالمفتاح ، واستلقى على سريره ونام كجثة حمار .

-حسنا سأحاول ان اعتاد على ذلك ... قالت له ذلك بأسى .. وواصلت حديثها: صحيح انني اخاف من النوم وحدي ، لكنه خوف غير مبرر وسأحاول ان أتجاوزه ، لن اتحمل ان تعيش في ألم بسبب هذا الموضوع البسيط ، انت لا تستطيع ان تنام مع انسان اخر في مكان واحد ، ادركت ذلك وتأكدت منه .. حسنا حبيبي .. لن اجبرك على فعل شيء يؤذيك ...

اراحته كلماتها جدا ، لقد سويا الامر بينها نهائيا ، وانتهى شهر العسل بسلام . ان النوم هو سعادة الانسان الحقيقية ، قال ذلك لزميله في العمل . واصل: لقد فكرت في الطلاق ذلك اليوم يا صديقي . اوقف سيارته وقال: لقد وصلنا ولا اعرف كيف سنتفاهم مع هذا الوفد الكوري ، هل يتحدثون الانجليزية؟ قال صديقه وهو يهبط من السيارة: هذه الشعوب لديها توقير كبير للغتها ، واعتقد انهم سيأتون بمترجم ، لقد زرت اغلب دول العالم الاول ، انهم متشددون جدا تجاه اللغة الوطنية ، الا نحن ، نحن فقط من نتنازل عن لغتنا بل وربما نحتقرها.

دلفا الى المطعم وهمس صديقه: وصلنا في المواعيد تماما وهذا شيء جيد ، لن يتعاملوا معنا كأحد مواطني العالم الثالث... كان الكوريون ثلاثة فتاة في العشرينات ترتدي ثوبا اسودا قصيرا يظهر فخذين ابيضين لامعين ، كان وجهها طفوليا جدا خاصة مع شعرها الأسود القصير ، وهناك ايضا رجل خمسيني يرتدي نظارة ذات عدسات سميكة زادت من شكل بؤبؤي العينين بشكل واضح ، اما ثالثهم فهو شاب ثلاثيني يرتدي قرطا على اذنه اليسار ويصبغ شعره بلون كستنائي مشمس ، كان يدرك ان الكوريين لا يفضلون ارتداء ازياء رسمية في العمل ، فحسب آخر الدراسات يفضل الموظفون ان يرتدوا ملابس رياضية خفيفة وان لا تختلف بيئة العمل كثيرا عن بيئة الممارسة العادية للحياة ... وتأكد له ذلك من ازياء وفد لشركة كورية كبيرة جدا . ان الكوريين عمليون جدا ، والتعامل معهم مريح فهم لا يعطوك اي شعور بأنهم يكونون عنك انطباعا ما ، انهم يتعاملون بجدية ونظامية عالية .. رحب بهم الرجل الخمسيني ، فتبادلوا التحية ، ودلفوا مباشرة في تفاوض اظهر ذكاء الطرفين ، لكن الطرفين كانا مرنين جدا ، مما سهل المهمة على الجميع ... وانتهى الغداء على افضل ما يكون من نتائج .. ختم الشاب ذو القرط اللقاء بدعوتهم الى العشاء في منزله لمزيد من التعارف والتواصل وقد رحب الجميع بذلك وتحدد موعد اللقاء.

* * *

-ستغادر؟

اجابها ايجابا ، وقال وهو يقبلها:

-انه عشاء عند الوفد الكوري .. ربما اتأخر قليلا ...

قالت: لا تشرب..

- انا لم اشرب ابدا يا عزيزتي ..لماذا فكرت في ذلك؟

اخذت تعدل في ربطة عنقه .. ثم تركته وانصرفت ، قبل ان يغادر القى نظرة سريعة على هيئته في المرآة .. كان اسمر البشرة ، غزت صلعة خفيفة مقدمة رأسه ، طويلا بما يكفيه كرجل . احس بأنه مقنع تماما ، فغادر بسعادة .

* * *

- اشكركم على منحي شرف استضافتكم ..

كانت شقة الشاب الكوري واسعة جدا ومرتبة ترتيبا دقيقا ، وعلى المائدة دارت احاديث كثيرة ، كان يشعر انه لا يحتاج للكذب او لمحاولة التذاكي ، انه مع ثقافة حرة بالكامل ، وارتاح كثيرا لذلك . رفع الرجل الخمسيني كأسه ودعا الى نخب الشراكة بين شركتيهما . رفع هو الكأس لكنه لم يقربه وتذكر نصيحة زوجته .. للنساء حاسة سادسة ، انهن كالآلهة ، يستشعرن المستقبل بشكل عجيب جدا...

كانت رائحة الشقة مزيجا من رائحة الطعام وعطور كورية شعبية ، وربما رائحة قرنفل ، امسك به الشاب ذو القرط ودعاه الى حديث خاص بعد مغادرة الجميع ، وبالفعل جلس معه واشعل سجارة اصدرت دخانا كثيفا مزعجا جدا ، قال الشاب الكوري : سأكون صريحا معك يا صديقي ...

تكاثف دخان السجارة فأطفأها حتى لا يزعج الكوري الذي قال: أنا مثلي...

نظر الى وجه الكوري ولاحظ انه يضع احمر شفاه خفيف على شفتيه ، بل لاحظ انه يضع مكياجا كاملا على وجهه ... كان الشاب الكوري جميلا جدا ، لقد لاحظ ذلك الآن فقط . صمت قليلا وقال: فهمتك .. لكنني لست شاذا مثلك ...

قال الكوري: اعرف ذلك .. لكن جسدي يشتهيك ... يمكنك ان تجرب مرة واحدة ...

ولوهلة انقبض صدره ؛ لقد اشتهى الكوري فعلا ، قفزت صورة زوجته الى مخيلته ، ولكنها لم تستطع طرد صورة وجه الشاب الكوري ، انه لن يمارس الجنس مع هذا الكوري ، هذه كارثة كبيرة ان فعل .. لن يخون زوجته مع شاذ كوري ... رأى الشاب الكوري يقترب منه وبدأ في خلع بنطاله ... لكنه لم يرفض ، وكانت هذه مفاجأة بالنسبة له ، اخذ الكوري يمص ذكره ورأى لون احمر شفاهه يمتزج مع لعابه ، تنفس بعمق ... قال الشاب: هل نذهب الى الغرفة ..

* * *

بعد ان انتهيا انكفأ على جنبه ورأى جسد الشاب الكوري عاريا ، كان ضوء الغرفة خافتا ، فهناك على السقف امتد مصباح لولبي احمر يشع برقة ... شعر بالاثارة فمد اصابع يده وغرسها في شعر الكوري الناعم .... ، الصق صدره بظهر الشاب ، وقبل كتفه ، مد الكوري يده الرقيقة خلف ظهره وسحب يده ليحيط بها جسده ... كان الصمت يلفهما .. والكوري يتنفس ببطء .. التصق بجسد الشاب واحتضنه من الخلف ... قال الكوري: هل اطفئ المصباح ؟ همس : لا داعي لذلك ..

شعر بحرارة جسد الكوري على صدره مد اصابعه واخذ يمسح صدر الشاب الذي انقلب على جنبه ببطء ، احتضن جسد الشاب الكوري ... واغمض عينيه وغط في نوم عميق ...

الالحاد كإيمان - أمل الكردفاني

اذا كان خلو الذهن من اي تصور ميتافيزيقي لدى الطفل هو منطلق اساسي للارتداد الى حضن الطبيعة مرة اخرى ، فإن كلمة الحاد لا تمنحنا وصفا دقيقا لهذه الردة. ربما تكون الردة -والتي استخدمت في الثقافة الاسلامية اكثر جودة لتصوير العودة الى الاصل أي خلو الذهن من كلمة الحاد. الردة تعني العودة ، من الارتداد ، تعني السبق ، وتعني الاصل ، والرجوع. في حين ان كلمة الحاد تعني التحول والانحراف والانتقال والفرع . اذا فالكلمتان تناقضان بعضهما في الاتجاه. على هذا الاساس لا تحتاج الردة الى تأسيس وجودها على ارضية منطقية ، لأنها عودة ، في حين يحتاج الالحاد الى العكس من ذلك ، الى التأسيس لحالة الانتقال والتحول والانحراف عبر اسباب معقولة. واذا كان الامر كذلك ، فالإلحاد -باعتباره نفيا حاسما لكل ما هو ورائي - يتطلب نقاشا لا يختلف عن نقاش الايمان كثيرا من حيث الادوات. فالايمان متحقق في كليهما نفيا واثباتا. حيث ان ما لا يمكن اثباته لا يمكن ايضا نفيه ، حينها ندور في عالم اللا يقين من كلا الامرين. وحالة اللا يقين لا تعني ابدا الالحاد بل تعني نفسها فقط كلا ادرية. فاللا ادرية هي وقوف الاستدلال المنطقة على تخوم الميتافيزيقي حائرا . فهي اذن تتوسط بين الميل الى الايمان او الى الالحاد. وعندما نتحدث عن ميل فنحن بالتأكيد لا نتحدث عن عقلنة بل عاطفة غير ممنطقة . والعاطفة غير الممنطقة هي في حد ذاتها ايمان بفكرة او بنقيضها. فالإلحاد -كميل غير منطقي- هو ايمان باللا ايمان. حيث الايمان كما هو معروف لا يستند سوى الى اتجاه نحو يقين معين بدون اختبار وضعي. هنا يكون الالحاد ايمانا ، وحيث ان الايمان بذاته لا يعني اي شيء -الا في حدود الممارسة الطقوسية- فإن الالحاد كذلك لا يعني اي شيء - الا في حدود الامتناع عن الممارسة الطقوسية. على هذا فإن الطقوس تضحى معيارا حاسما للايمان والالحاد. ووصولنا الى هذه النقطة يكشف لنا اساس رهان باسكال الذي يبدو منطقيا للوهلة الاولى (وهو ليس كذلك في الواقع). ذلك الرهان الذي يستند الى الطقوس في الواقع وليس الى الدين كحقيقة مطلقة. أن تتبع الطقوس لتكون مؤمنا او لا تتبعها لتكون ملحدا ؛ ثم يلي ذلك خسارة او ربح من الفعل او الترك بحسب ما يتمخض عنه الموت. 

ماذا يعني هذا كله ؛ انه يعني -وبشكل مدهش- ان الايمان والالحاد هما حالة صفرية جامدة. فهما متساويان من حيث القيمة او في الحقيقة من حيث اللا قيمة . انهما عاطفة عمياء اما ان تتجه يمينا او يسارا فوق جسم كروي ، ومن ثم فسبيلهما حتما الى الالتقاء.

الالحاد الأصيل والإلحاد الزائف - أمل الكردفاني

ان قضية تبني الخلو من المعتقد مسألة ليست سهلة ، ولا تأتي بين يوم وليلة ، مع ذلك فأغلب من يتجهون الى الالحاد يمارسون في الواقع الحادا زائفا جدا . نعم قد يبدأ الالحاد كرفض للقدر ، ولكنه ايضا قد يكون محاولة من اللا وعي لتغطية شعور بالنقص او الدونية ، وهنا يكون الالحاد زائفا تماما ، يمكننا ان نلاحظ ذلك في اي نقاش تدخله مع ملحد زائف ، لتكتشف ان لديه خاصية سلفية بامتياز وهي التوكيدية الحاسمة ، ورفض التشكيك ، وقد لاحظت ذلك عند النقاش مع بعض الملحدين ، حيث تبدو اي مخالفة لفهمه طعنا شخصيا في ذاته هو وليس في الفكرة التي يتبناها ، يتدثر الملحد الزائف بانتفاخ كبير للذات ومنذ اول وهلة وبمجرد الاختلاف حول منطقه ينخدش هذا البالون وينفجر في وجهك ، هذا الملحد يعتبر ملحدا نفسيا وليس ملحدا عقليا ، صحيح ان الفصل بين ما هو عقلي ونفسي يمثل جدلية لكن فلنستخدم هذا المصطلح بمعناه الظاهري ، فالملحد النفسي وهو ملحد زائف بامتياز يتخذ من الالحاد علاجا لنكباته النفسية ، وقد نجد هذا النوع ايضا لدى الكثير من المتدينين ، حين يكون التدين محاولة لإيجاد بديل عن شعور كامن بالنقص والدونية وعدم تقدير الذات واستجداء التقدير المجتمعي . يحاول الملحد الزائف العيش داخل فقاعة من الشعور بالاختلاف عما قد يسميه في كثير من الاحيان بالقطيع كتسفيه لمنظومة ثقافية غير قادر على التأقلم معها ، او هو في الواقع غير قادر على اقناعها بقيمته داخلها ، فيعمل بشكل عكسي على تضخيم الذات بأكثر من حقيقتها ، ولذلك فإن عداء الملحد الزائف عداء خطير جدا خاصة اذا نجم عن شعور بكبرياء مجروح او كشف لحجمه الحقيقي والطبيعي... ، ان الملحد الزائف سريع الاشتعال ، ويقدس النظريات التي يراها محققة لتميزه النرجسي... لقد وجدت احد هؤلاء يرغي ويزبد مدافعا عن نظرية التطور وكأنها امه التي ولدته ، رغم ان نظرية التطور وككل النظريات قابلة للدحض بل ويجب ان تكون كذلك والا فقدت خاصيتها كنظربة علمية كما ان الالحاد لا يتوقف ابدا على صحة او عدم صحة هذه النظرية . في مواقع ومدونات وصفحات الملحدين على الانترنت نجد جدالا مقرفا جدا بين الدوغما الدينية والالحادية حول نظريات علمية كثيرة ، في الواقع كلها ليست نظريات مقدسة واغلب الذين يخوضون في هذا الجدال -شديد العدائية- غير متخصصين فيها ، مما ينتج كميات مهولة من الاسراف في الكتابة غير المجدية ، وجدل بيزنطي لا نهائي حول سفاسف الأمور. الملحد الزائف كالمتدين الزائف يعاني من ازمة داخلية عميقة جدا ، نجدها في تصور متوهم بأن الالحاد يعني التخلص من القيم الاخلاقية ، رغم ان كبار الفلاسفة الملحدين كانوا اخلاقيين جدا كراسل وبوبر وسارتر وشومسكي وخلاف ، ونجد ان اغلب الملحدين العرب كأغلب متدينيهم يستخدمون رزمة من الشتائم والالفاظ النابية بتوتر شديد جدا وانفلات غير مبرر للاعصاب عند الجدال ، وهم ينحرفون من نقد الفكرة الى نقد صاحب الفكرة ، كما انهم مسطحون جدا وقلقون جدا تجاه زعزعة كبريائهم والهالة المعرفية الكاذبة التي يحيطون بها انفسهم وخاصة عبر استخدام مصطلحات مفخمة . الملحد المزيف لديه مشكلة لا يريد الاعتراف بها لأنه في الواقع لا يعرف بهذه المشكلة ، وهذا في حد ذاته يطعن سقف وعيه ، لأن الجهل بالذات أخطر من العلم بها مع التجاهل.
عندما نقول ملحد أصيل فلا نقصد بالضرورة ان الحاده لم ينجم عن موقف نفسي تجاه الدين ، فالموقف النفسي حتمي بلا شك ولكن نقصد مدى الوعي بضرورة تطوير هذا الموقف الى موقف عقلاني ، حتى يتم نجاوز الله والدين عن قناعة وليس عن مجرد تمرد . ان استمرار الالحاد كموقف نفسي يجعله ايضا الحادا زائفا ، بل ينفي عنه كونه الحادا في الاساس ولكن يمكن وصفه بالحنق او السخط . فالرفض لا يكون مؤسسا على قناعة بتحليل عقلاني للفروض ومن ثم الخروج بنتائج ..وهذه معضلة لا يمكن ايجاد حل لها الا عبر صدمة توقظ حاسة نقد الذات ونقد العقل الباطن قبل كل شيء.

الالحاد بذاته - أمل الكردفاني

تعج وسائل التواصل الاجتماعي بجدل ساذج جدا حول الالحاد ، هناك تصور عام بأن الالحاد يعتمد على نظريتي التطور والانفجار العظيم ، كما ان هناك اعتقاد بأن الالحاد مرتبط بفهمنا لبعض العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء..؟؟؟ وهذه الاعتقادات تقلب حقيقة العلاقة بين الدين والعلم ، والالحاد والايمان، فأولا يجب فهم أن الدين عموما هو طرح اجابات غيبية لتساؤلات ميتافيزيقية ، فالدين يجيب على العلة الاولى التي انتجت الوجود ، الدين هنا لا يطرح معادلات رياضية بل قصة ، او حكاية ، منذ الاديان الهندية والاشورية والفرعونية ومرورا باليهودية وما نتج عنها. هنا لا توجد قضية علمية يمكن دحضها بل مجرد اقصوصة اما ان تؤمن بها ايمانا اعمى او تتركها.. ولذلك فالالحاد لا يحتاج لنظريات علمية لدحض ما هو ليس بعلمي ، لا يحتاج لنظرية التطور ولا الانفجار العظيم ، فالالحاد سابق عليهما ، بل لا يعتمد عليهما كما يظن البعض ، فالنظريات العلمية قابلة للدحض كما قال بوبر ، قابلة لأن تنهار وتحل محلها نظريات أخرى ، بل أن العلم ليس أكثر من نظريات تلغي بعضها البعض ليتشكل التطور العلمي.

فلو انهارت نظرية التطور فلا يعني هذا انهيار الالحاد بل يعني وجود قفزة علمية جديدة في حياتنا الانسانية مما يعزز قيمة العقل ، ولكنه لا يعزز الالحاد او ينفيه كما انه لا يعزز الايمان او ينفيه لأن الايمان بدوره خارج نطاق العلم والا كان الدين مجرد نظرية . 

لذلك فمن يقومون بمناظرات علمية لدحض او تعزيز الايمان والالحاد هؤلاء في الواقع واهمون جدا ويخلطون بين الماورائي والطبيعي ، فسياق الدين مختلف عن سياق العلم تماما . لا يحتاج الملحد لأن يكون فيزيائيا ولا كيميائيا ولا فلكيا لكي يكون ملحدا ، ليس بالضرورة ان أجد نظرية علمية لاثبات عدم وجود الجن والشياطين فالجن والشياطين خارج تجربتنا البشرية وخارج إطار المعرفة العقلانية . ان الالحاد هو بذاته رفض لكل ما هو خارج عن اطار الناموس الكوني حتى ولو لم يقدم الالحاد اي اجوبة عن اسئلة انطلوجية او كونية . فلو تتبعنا الاسئلة الكبرى لوجدناها قد طرحت قبل الاف السنين ، وأتت أديان مختلفة وكثيرة قدمت اجابات مختلفة وكثيرة أيضا لها ، لكنها اجابات غير علمية ، ولم يأت حتى اليوم دين يهتم بأن يطرح اجابات علمية ليكون دينا روحانيا ومصدرا للنظريات العلمية في نفس الوقت. 

فالالحاد بذاته هو ايضا كالدين بذاته .. خطان متوازيان لا يلتقيان.

الالحاد خلو ويس مخرجا تفكرياً - أمل الكردفاني

الالحاد خلو وليس مخرجا تفكريا .. بقلم: د.أمل الكردفاني 

نشر في سودانيل يوم 02 - 09 - 2017

 

هناك قصص كثيرة لأطفال تربوا مع الحيوانات ، كجون سيبونيا ، الذي رأى اباه وهو يقتل أمه ففر هاربا الى الغابة وهو بعمر الرابعة فربته قردة الغابة ، وكذلك فتاة سيبيريا ناتاشا التي عاشت محبوسة في غرفة مع القطط والكلاب ، وأطفال آخرين عدة تربوا في الادغال ومع الحيوانات. المظهر الأول أن عدم احتكاك هؤلاء الأطفال بالبشر جعلهم يكتسبون صفات حيوانية محضة ، كما انهم كانوا أقل ذكاء من مستوى الاطفال الذين تربوا مع البشر ، والأهم من ذلك كله أنه لم تظهر أي ميول نحو تقديس او عبادة لشيء أو كائن ، ففكرة الدين على خلاف ما يطلق عليها ليست فطرية كما يشاع عنها ، رغم صعوبة تحديد مفهوم حاسم للفطرة التي يمكن ان نتخير لها كلمة innateness لتعبر عن حافز ذاتي او عقلي بدلا عن كونه أمرا مكتسبا ، ولو كان الدين فطري لأدى ذلك الى عدة نتائج منها أنه ما كان من حاجة لبعث الأنبياء والرسل ولا الكتب المقدسة ولا احداث معجزات لاقناع البشر بالدين ، كما أن فطرية الدين تعني بالضرورة تساوي جميع الأديان لأن الفطري متساو عند البشر بلا شك مادام نابعا من ذاتية مطلقة للعقل البشري ككل. اذا فالدين ليس فطريا بل هو تساؤلات لاحقة او رد فعل لاحق على الفطرة ، ربما يكون منشأ الدين منذ عبادة الطوطم محاولة لتفسير الظواهر التي كانت تدهش الانسان البدائي أو حالة بحث عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ، فكما يقول الفرد ادلر فإن كافة الحيوانات تتصل غريزتها بالطبيعة ماعدا الانسان الذي يولد متحررا من هذا الاتصال ، ورغم أن هذا يعتبر نقصا وضعفا من جانب جهل الانسان الكامل بالطبيعة الا انه في نفس الوقت مصدرا لقوة الانسان حيث يتمثل جوهر وظيفته انطولوجيا في اكتشاف الطبيعة بل والسيطرة عليها ثم تسخيرها لخدمته. بحث الانسان أولا عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ومحاولاته الدؤوبة للاتصال بهذه القوى عبر السحر والكهانة والنبوة أخيرا هو بحث عن الشعور بالأمان لدرء أخطار الطبيعة عنه قبل كل شيء.. فهناك اله للخصب والنماء وهناك اله للجدب ، هناك اله للظلام واله للنور ، اله للشر واله للخير ، هناك اله للاعاصير وآخر للبراكين وآخر للزلازل ...الخ وهذا ما اطلق عليه العالم الاسكتلندي هنري درموند بإله الفراغات "God of the gaps" ، حيث يبرز الإله في كل منطقة مجهولة في الطبيعة لدى الانسان . فحينما تسقط الصواعق أمام الانسان البدائي على انسان آخر او حيوان فترديه قتيلا يبحث الرجل البدائي عن علة حدوثها بشكل غير علمي بل ينسبها مباشرة للقوى الماورائية ، وعندما تتطور معرفة الانسان ويكتشف السبب العلمي للصواعق ، ينتهي دور هذه القوى ، وهكذا يظل الانسان يستخدم الإله كسبب لكل ما يجهله الى أن يزول عنه هذا الجهل. ثم أن الدين وعبر وكلائه السماويين تحول من دوره المطمئن لمخاوف الانسان الى دوره في تشكيل الهرمية السياسية داخل الأسرة ثم القبيلة ثم المدن ثم الامبراطوريات ثم الدولة الحديثة . وهذا الانقلاب في دور الدين هو الذي نقل الدين نفسه من اشكال بدائية طوطمية الى اشكال أخرى ازدادت تعقيدا وتدخلا في مختلف جوانب حياة الانسان ؛ هذا دون أن نهمل دوره في تحقيق فكرة الخلود القديمة في مخيال الانسان. خلاصة القول أن الدين ليس فطرة كما يشاع بل على العكس من ذلك تماما ، فالدين منتج تفكري لاحق لتهيئة المناخ من حوله اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وانطولوجيا. 

قرأت قبل اسبوع تقريبا مقال ورد فيه أن الالحاد أيدولوجيا ، رغم ان كلمة ايدولوجيا كلمة تثير الكثير من الارتباك ومع ذلك تستخدم في آلاف المقالات والكتب بشكل متغير وغير ثابت ideology : a) multidisciplinary approach - Teun A Van Dijk - 1998 ) وكذلك يلاحظ التعريفات العدة لهذه الكلمة في قاموساوكسفورد ، بحيث أن التورط في اطلاق كلمة الآيدولوجيا على الإلحاد إما أن يتم باعتباطية أو بتعريف شرطي مبتذل كما حدث في المقال. والواضح من المقال أنه تم باعتباطية شديدة جدا بحيث قام الكاتب باقحام قضايا عدة لا علاقة لها لا بالآيدولوجيا ولا بالإلحاد .

ومع ذلك فمن الواضح أننا نستطيع أن نفهم من المساق الذي قادنا اليه المقال أن مفهوم الآيدولوجيا يتطابق مع الدوغمائية تماما. ولا بأس لنا ان نفهم أن الآيدولوجيا من هذا المنطلق تنقسم الى مجموعة نظم او انساق تشكل حقيقة مطلقة لدى متبنيها ، وهذا بكل تأكيد ينطبق على الايمان بشكل واضح وليس على الإلحاد ، فلو أن الكاتب قام بعكس تفسيره للإلحاد بتفسيره للإيمان لكان مقاله أكثر اتزانا ومعقولية . فما هو الإلحاد؟ التعريف السائد للالحاد هو عدم الايمان بوجود إله ، وهناك ظلال مفاهيم أخرى للالحاد كالالحاد الابستمولوجي أو المعرفي epistomolgical atheism ، او الالحاد العملي ..الخ . وهذا التعريف بمجمل ظلاله هذه تحتاج في نظري الى إعادة تجذيرها وتأصيلها فلسفيا ، بحيث تحقق تطابقا حقيقيا مع المفهوم الصحيح للالحاد. فبادئ ذي بدء الإلحاد ليس برادايم ، ومن ثم فهو ليس في منطلقاته قضية معرفية تحتمل الصواب أو الخطأ ، فوفقا لما سبق أن بيناه في قصص الأطفال الذين تربوا مع الحيوانات وفي الأدغال يمكننا أن نجزم بأن الإلحاد في حقيقته فطري عكس الايمان . نعم فلا يولد الانسان مؤمنا بل على العكس هو يولد وهو خالي الذهن تماما من اي تصور لقوى ماورائية صنعت عالمه هذا أو لها تأثيرها المطلق على الطبيعة أو لها تدخلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية . فالإلحاد حالة سلب وليس ايجاب ، حالة خلو وليس مخرجا تفكريا كما يتصور الكثير من الناس ... انه في الواقع ما يمكن أن نطلق عليه (العقل صفر) . ولذلك فعندما يؤمن الفرد فهو يخرج من فطرته التي فطر عليها ليكتسب برادايم إيماني ، وعندما يرفض هذا البرادايم فإنه ليس محتاجا لتحديه بنموذج فكري مضاد بل ولا أحد يمكن أن يطالبه بذلك لأنه عودة منطقية وطبيعية الى الفطرة . ولذلك فمن الخطأ تماما أن نبحث عن مبررات فلسفية سواء كانت فلسفية مثالية أم تجريبية مادية للإلحاد . الإلحاد لا يحتاج لمبرر لأنه لم ينطلق من نظرية كالدين بل على العكس فالدين ومنذ الفلاسفة الذريين مرورا بسقراط وافلاطون وارسطو وعبورا بالفلسفة وعلم الكلام الإسلاميين وسأئر الفلسفة الألمانية المثالية وحتى الفلسفة المادية الانجلو أمريكية كان هو نقطة التنظير الجوهرية لإثبات وجود القوى الماورائية ، أما الإلحاد فلم يتفرغ له الفلاسفة بذات النسبة التي تفرغوا لها من أجل الإيمان حتى وهم يحاولون تفنيد حجج الأرثوذوكسيين والمحافظين والربانيين وخلافه لم ينشغلوا بالإلحاد ، ليس تجاهلا منهم بل لأنهم يدركون أن الأصل الإلحادي هو قدر البشرية الذي فطروا به وأن الدين لاحق وصناعي ومكتسب .

عليه فإننا لسنا بحاجة لتبرير الإلحاد ، ولسنا بحاجة لوضعه في مواجهة بائسة وغير منطقية مع الدين ، ومن ثم فلا علاقة للآلحاد بالآيدولوجيا لا من قريب ولا من بعيد .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

ثورة الالحاد - أمل الكدفاني

أصدقاء كثر اتخذوا قناعاتهم بالالحاد في حين بقيت أنا متردداً بين العقل والحاجة إلى إله يستنقذنا من بأس الطبيعة والإنسان. مطالبا بالمعجزة.

الآن ثورة إلإلحاد بكل ما تعنيه هذه الكلمة ؛ وهناك ملايين كل عام يدخلون في الإلحاد أفواجا. المملكة السعودية تتصدر موجة الإلحاد ، كازخستان تتصاعد فيها موجة الإلحاد ، السودان ؛ لم يعد الملحدون يخفون أسماءهم وهم يتكاثرون ، أما في مصر فقد أصبحوا قوة لا يستهان بها وأصواتهم تعلوا واتحاداتهم لم تعد خفية . في ليبيا ، الجزائر ، تونس ، المغرب ، يتساقط الإسلام كحبات الرطب .

لماذا؟

أعتقد بأن تشويه الإسلام كان صاحب الدور الأساسي ، وهو تشويه جاء من الداخل وليس من الخارج ؛ الحركات المتطرفة ، إتجار الحكومات بالدين ، الظلم وانتهاك حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والأهم من هذا كله جمود الفكر الإسلامي على مستويات الفقه وأصوله ، وتحول الإسلام إلى دين بيروقراطي يهتم فيه المسلمون بالشكل أكثر من المضمون ، دين أفقدوه الروحانيات فاقترب من اليهودية اقترابا شديدا.

ثورة الإلحاد ليست ثورة عشوائية ؛ بل هي منظمة ؛ لها أسسها الفكرية وتنظيماتها ولها فوق ذلك قيادات من كبار المثقفين والعلماء . وهي تمتلك القدرة على الاستقطاب الواعي .

ويمكننا أن نستعين من التراث الإسلامي بكلمة فسطاط . فهناك اليوم فسطاطان رئيسيان. فسطاط من الدينيين وأشباه الدينيين ، الدينيون متشرذمون ومعاييرهم متفاوتة تأتي في أعلاها الفكر الراديكالي وفي أسفلها أشباه الدينيين وهم أقلية مثقفة تعمل على فكرة وسطية الدين -رغم أن الوسطية كلمة مطاطة من حيث المضمون تتسع وتضيق هي نفسها- وأشباه الدينيين يقفون موقفا صعبا لأنهم مرفوضون تماما من قبل الدينيين ومن قبل اللادينيين . والفسطاط الثاني هم اللادينيون وهم أقلية بدأت تتكاثر وبدات كالمعتزلة تنتظر المناخ الملائم للإنسلال إلى العلن بدون خوف . تمدها الأوضاع الراهنة والبائسة للإسلام بقوة أكبر ، كما أن أن تصرفات وسلوكيات الدينيين أصبحت جامحة بحيث لا تتناسب مع الحضارة الإنسانية لا سيما عند المقارنة بالحريات التي يتمتع بها الإنسان الأوروبي أو في بعض دول شرق آسيا كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية ناهيك عنه في القارتين الأمريكية والاسترالية .

يبدو الإسلام اليوم في وضع صعب للغاية والمشكلة الأكبر أن الخطر يكمن في داخل بيئته لا من خارجها كما كان يشاع في السابق.

في المقابل لا تعمل المؤسسات الإسلامية على تطوير مفاهيمها بل وتقف عاجزة عجزا شديدا في مواجهة تراث ضخم أحيطت به قدسية زائفة . بالإضافة إلى أن التربية الدينية المنغلقة خلقت عقول منغلقة هي أيضا ومهما منحت من إمكانيات مادية فلن تستطيع أن تنتج مفكرين إسلاميين مؤثرين فكريا كما يطمح له .

يقبع الدين الآن في منطقة دنيا هي منطقة الغالبية المسحوقة وغير المفكرة . في حين يقبع الإلحاد في منطقة البرجوازيين والانتلجنسيا . وهذا يؤدي إلى أمرين ؛ الأمر الأول هو أن الحرب غير متكافئة إذا نظرنا لها على المستوى الفكري لأن قيادات الإلحاد أكثر معرفة ومرونة وقدرة على تأكيد وجهة نظرهم وزعزعة ثقة الدينيين في معتقداتهم بل وأن الكثير من الدينيين سيحاولون التشبه بتلك القيادات لتأكيد تحولهم من جهلاء إلى مفكرين وهكذا تتسع دائرة الاستقطاب الإلحادي (مع ضرورة التمييز بين الإلحاد واللا دينية) وتضيق دائرة الدين. ولكن من جهة أخرى لا يمكننا أن نهمل أن تموضع الدين في الطبقة المسحوقة يمنحه دعما للثبات لأنها الأغلبية ولأن هذه الطبقة تحتاج إلى وجود الله ليعينها على قسوة الحياة . وهذا يفسر لنا لماذا ينتشر الفساد عند الدينيين عندما يصلوا إلى السلطة . فهنا يفقد الله الحاجة إليه في نظرهم في مقابل السلطة التي تلعب الدور الإلهي في إنتشال الشخص من الفاقة والعوز إلى الغنى والصيت ويتحول الدين إلى هوية سياسية فقط. (يتبع)

 

التحول - أمل الكردفاني

أحد الاصدقاء تحول من العقلانية الى اللا عقلانية اي من الالحاد الى التصوف ، هذه ليست سابقة ، ففي وقت مضى اخبرني صديق آخر بأنه لم يعد يرتاح للالحاد ، فأجبته اجابة مقتضبة: إذن …لا تلحد.. ثم تحول الى التصوف … والحقيقة ان هذا التحول يتم من النقيض الى النقيض ، أي من المادية العقلانية الى عوالم الميتافيزيقا المطلقة ..دون أن يمر بمرحلة وسطى كاللا أدرية او في اسوأ الفروض الى الربوبية ، مما يعني حدوث قفزة واسعة تعبر عن ازمة كانت تعتمل في الصدر وهي أزمة انطولوجية محضة.. هي لا تنطلق من عملية متابعة مستمرة وصولا الى النتيجة بل هي وثبة علاجية cureلاضطراب الحقيقة ذهنيا.

اننا عموما نمر في مراحل حياتنا المختلفة بتقلبات لا يمكن ان نسأل عنها لأنها طبيعية لكل عقل مفكر ، ولكن الوثبات الطويلة مثلها مثل الألمونيوم كما تسخن بسرعة فهي تبرد بسرعة … إن الخطاب الديني يخلق هذا النوع من الاضطراب حينما يضغط في اتجاه ما بعد الموت بشدة .. مستخدما خطابا ترهيبيا مخاتلا من بين الخطاب الترغيبي ، لذلك يمر الانسان باللا أدرية ثم الربوبية ، لكن ان ينتقل من الالحاد الى التصوف فهذه قضية تعني انكفاءا كبيرا على الخطاب الترهيبي من جهة ، ومن جهة أخرى تكشف عن عمق الأزمة الوجودية في الداخل… ما اقوله هو أننا في حالة خياراتنا التي تبدو لنا واعية انما يندس اللا وعي كفيروس متغير الاشكال وهذا ما يهدد ثباتنا على موقف واحد تجاه العقلانية أو اللا عقلانية.. ان فكرة التمركز الانتقائي صعبة للغاية ولكنها ليست مستحيلة.. ليس بالضرورة أن نتحول من حالة عداء الى تماهي تماما مع الفكرة النقيضة ، انما الأكثر منطقية أن نمرحل انتقالاتنا لأن الحجاب لا يكشف عنا كما يظن الروحانيون .. فلا يوجد حجاب انما توجد تمفصلات متسلسلة من التفكر .. قد تصل حد القناعة .. او تظل محتملة نسبيتها .

عمليات الانقلاب هذه ليست جديدة على مدى التاريخ ولعل اسطورة رابعة العدوية بنيت على هذه الفكرة وأيضا بولس الرسول ، وخلافه في سائر الأديان والمعتقدات .. فلا جديد في ذلك .. ولكن نقاشي ينحصر في استقراء ذلك الظل الخفيف الذي ينعكس من نقطتين متقابلتين .. ظل يتوسطهما ومع ذلك لابد من المرور فوقه .

 

 

نحو تغيير ترجمة atheist الى معناها الحقيقي

 

نحو تغيير ترجمة atheist الى معناها الحقيقي

 

الحد لغة هو:

/ ألحدَ عن / ألحدَ في .. يُلحد ، إلحادًا ، فهو مُلْحِد ، والمفعول مُلْحَد .

أَلْحَدَ السَّهمُ عن الهدف : عَدَلَ عنه أَلْحَدَ فلانٌ : عَدَلَ عن الحقّ وأَدخل فيه ما ليس منه

أَلْحَدَ إِليه : مال

أَلْحَدَ في الحرَمِ : استحلَّ حُرمتَه وانتهكَه

اأَلْحَدَ في الدِّين : طَعَنَ

 

لاحظ ان كل هذه التعريفات تعريفات تربط اللا انتماء الديني بوجود الدين ، لقد سبق ان ذكرت ان الالحاد منتج فطري ، فهو لا يرتبط بالدين وان كان الدين يرتبط به ، الالحاد لا يرفض لانه لا يؤسس بل الدين هو ما يؤسس ، الالحاد ليس تخلي ، بالدين هو تجديد للتملك ، لأن الالحاد (خلو) وليس (مخرجا تفكريا) كما اسلفت في مقال سابق ومقال آخر عن الالحاد (بذاته) ، هنا يجب ان نبحث عن بديل يحقق عذه الشروط عند ترجمة كلمة atheist ليعبر اولا عن كون الالحاد (خلو) وعن كونه مجردا عن الدين بل (بذاته) . لأن ترجمة اللغة ليست دقيقة . لاحظ تعريف قاموس اكسفورد للكلمة:

(A person who disbelieves or lacks belief in the existence of God or gods).

هذا التعريف نفسه يقع في ذات الخطأ الذي لا يجرد فكرة الخلو والذاتية عن الدين ، لذلك فلابد من البحث عن مصطلح جديد يعكس هاتين الخاصيتين ، سأورد هنا المقالين السابقين عن الخلو والذاتية واقتىح ان يكون (الاخوال) بكسر الف وتسكين الميم بديلا عن كلمة الحاد ، وتعبيرا عن الخلو والتجرد في مسألة اللا دينية .

(1) المقال الأول:

الالحاد خلو وليس مخرجا تفكريا

 

هناك قصص كثيرة لأطفال تربوا مع الحيوانات ، كجون سيبونيا ، الذي رأى اباه وهو يقتل أمه ففر هاربا الى الغابة وهو بعمر الرابعة فربته قردة الغابة ، وكذلك فتاة سيبيريا ناتاشا التي عاشت محبوسة في غرفة مع القطط والكلاب ، وأطفال آخرين عدة تربوا في الادغال ومع الحيوانات. المظهر الأول أن عدم احتكاك هؤلاء الأطفال بالبشر جعلهم يكتسبون صفات حيوانية محضة ، كما انهم كانوا أقل ذكاء من مستوى الاطفال الذين تربوا مع البشر ، والأهم من ذلك كله أنه لم تظهر أي ميول نحو تقديس او عبادة لشيء أو كائن ، ففكرة الدين على خلاف ما يطلق عليها ليست فطرية كما يشاع عنها ، رغم صعوبة تحديد مفهوم حاسم للفطرة التي يمكن ان نتخير لها كلمة innateness لتعبر عن حافز ذاتي او عقلي بدلا عن كونه أمرا مكتسبا ، ولو كان الدين فطري لأدى ذلك الى عدة نتائج منها أنه ما كان من حاجة لبعث الأنبياء والرسل ولا الكتب المقدسة ولا احداث معجزات لاقناع البشر بالدين ، كما أن فطرية الدين تعني بالضرورة تساوي جميع الأديان لأن الفطري متساو عند البشر بلا شك مادام نابعا من ذاتية مطلقة للعقل البشري ككل. اذا فالدين ليس فطريا بل هو تساؤلات لاحقة او رد فعل لاحق على الفطرة ، ربما يكون منشأ الدين منذ عبادة الطوطم محاولة لتفسير الظواهر التي كانت تدهش الانسان البدائي أو حالة بحث عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ، فكما يقول الفرد ادلر فإن كافة الحيوانات تتصل غريزتها بالطبيعة ماعدا الانسان الذي يولد متحررا من هذا الاتصال ، ورغم أن هذا يعتبر نقصا وضعفا من جانب جهل الانسان الكامل بالطبيعة الا انه في نفس الوقت مصدرا لقوة الانسان حيث يتمثل جوهر وظيفته انطولوجيا في اكتشاف الطبيعة بل والسيطرة عليها ثم تسخيرها لخدمته. بحث الانسان أولا عن قوى ما ورائية تتحكم بالطبيعة ومحاولاته الدؤوبة للاتصال بهذه القوى عبر السحر والكهانة والنبوة أخيرا هو بحث عن الشعور بالأمان لدرء أخطار الطبيعة عنه قبل كل شيء.. فهناك اله للخصب والنماء وهناك اله للجدب ، هناك اله للظلام واله للنور ، اله للشر واله للخير ، هناك اله للاعاصير وآخر للبراكين وآخر للزلازل ...الخ وهذا ما اطلق عليه العالم الاسكتلندي هنري درموند بإله الفراغات "God of the gaps" ، حيث يبرز الإله في كل منطقة مجهولة في الطبيعة لدى الانسان . فحينما تسقط الصواعق أمام الانسان البدائي على انسان آخر او حيوان فترديه قتيلا يبحث الرجل البدائي عن علة حدوثها بشكل غير علمي بل ينسبها مباشرة للقوى الماورائية ، وعندما تتطور معرفة الانسان ويكتشف السبب العلمي للصواعق ، ينتهي دور هذه القوى ، وهكذا يظل الانسان يستخدم الإله كسبب لكل ما يجهله الى أن يزول عنه هذا الجهل. ثم أن الدين وعبر وكلائه السماويين تحول من دوره المطمئن لمخاوف الانسان الى دوره في تشكيل الهرمية السياسية داخل الأسرة ثم القبيلة ثم المدن ثم الامبراطوريات ثم الدولة الحديثة . وهذا الانقلاب في دور الدين هو الذي نقل الدين نفسه من اشكال بدائية طوطمية الى اشكال أخرى ازدادت تعقيدا وتدخلا في مختلف جوانب حياة الانسان ؛ هذا دون أن نهمل دوره في تحقيق فكرة الخلود القديمة في مخيال الانسان. خلاصة القول أن الدين ليس فطرة كما يشاع بل على العكس من ذلك تماما ، فالدين منتج تفكري لاحق لتهيئة المناخ من حوله اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا وانطولوجيا.

قرأت قبل اسبوع تقريبا مقال ورد فيه أن الالحاد أيدولوجيا ، رغم ان كلمة ايدولوجيا كلمة تثير الكثير من الارتباك ومع ذلك تستخدم في آلاف المقالات والكتب بشكل متغير وغير ثابت ideology : a) multidisciplinary approach - Teun A Van Dijk - 1998 ) وكذلك يلاحظ التعريفات العدة لهذه الكلمة في قاموس اوكسفورد ، بحيث أن التورط في اطلاق كلمة الآيدولوجيا على الإلحاد إما أن يتم باعتباطية أو بتعريف شرطي مبتذل كما حدث في المقال. والواضح من المقال أنه تم باعتباطية شديدة جدا بحيث قام الكاتب باقحام قضايا عدة لا علاقة لها لا بالآيدولوجيا ولا بالإلحاد .

ومع ذلك فمن الواضح أننا نستطيع أن نفهم من المساق الذي قادنا اليه المقال أن مفهوم الآيدولوجيا يتطابق مع الدوغمائية تماما. ولا بأس لنا ان نفهم أن الآيدولوجيا من هذا المنطلق تنقسم الى مجموعة نظم او انساق تشكل حقيقة مطلقة لدى متبنيها ، وهذا بكل تأكيد ينطبق على الايمان بشكل واضح وليس على الإلحاد ، فلو أن الكاتب قام بعكس تفسيره للإلحاد بتفسيره للإيمان لكان مقاله أكثر اتزانا ومعقولية . فما هو الإلحاد؟ التعريف السائد للالحاد هو عدم الايمان بوجود إله ، وهناك ظلال مفاهيم أخرى للالحاد كالالحاد الابستمولوجي أو المعرفي epistomolgical atheism ، او الالحاد العملي ..الخ . وهذا التعريف بمجمل ظلاله هذه تحتاج في نظري الى إعادة تجذيرها وتأصيلها فلسفيا ، بحيث تحقق تطابقا حقيقيا مع المفهوم الصحيح للالحاد. فبادئ ذي بدء الإلحاد ليس برادايم ، ومن ثم فهو ليس في منطلقاته قضية معرفية تحتمل الصواب أو الخطأ ، فوفقا لما سبق أن بيناه في قصص الأطفال الذين تربوا مع الحيوانات وفي الأدغال يمكننا أن نجزم بأن الإلحاد في حقيقته فطري عكس الايمان . نعم فلا يولد الانسان مؤمنا بل على العكس هو يولد وهو خالي الذهن تماما من اي تصور لقوى ماورائية صنعت عالمه هذا أو لها تأثيرها المطلق على الطبيعة أو لها تدخلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية . فالإلحاد حالة سلب وليس ايجاب ، حالة خلو وليس مخرجا تفكريا كما يتصور الكثير من الناس ... انه في الواقع ما يمكن أن نطلق عليه (العقل صفر) . ولذلك فعندما يؤمن الفرد فهو يخرج من فطرته التي فطر عليها ليكتسب برادايم إيماني ، وعندما يرفض هذا البرادايم فإنه ليس محتاجا لتحديه بنموذج فكري مضاد بل ولا أحد يمكن أن يطالبه بذلك لأنه عودة منطقية وطبيعية الى الفطرة . ولذلك فمن الخطأ تماما أن نبحث عن مبررات فلسفية سواء كانت فلسفية مثالية أم تجريبية مادية للإلحاد . الإلحاد لا يحتاج لمبرر لأنه لم ينطلق من نظرية كالدين بل على العكس فالدين ومنذ الفلاسفة الذريين مرورا بسقراط وافلاطون وارسطو وعبورا بالفلسفة وعلم الكلام الإسلاميين وسأئر الفلسفة الألمانية المثالية وحتى الفلسفة المادية الانجلو أمريكية كان هو نقطة التنظير الجوهرية لإثبات وجود القوى الماورائية ، أما الإلحاد فلم يتفرغ له الفلاسفة بذات النسبة التي تفرغوا لها من أجل الإيمان حتى وهم يحاولون تفنيد حجج الأرثوذوكسيين والمحافظين والربانيين وخلافه لم ينشغلوا بالإلحاد ، ليس تجاهلا منهم بل لأنهم يدركون أن الأصل الإلحادي هو قدر البشرية الذي فطروا به وأن الدين لاحق وصناعي ومكتسب .

عليه فإننا لسنا بحاجة لتبرير الإلحاد ، ولسنا بحاجة لوضعه في مواجهة بائسة وغير منطقية مع الدين ، ومن ثم فلا علاقة للآلحاد بالآيدولوجيا لا من قريب ولا من بعيد .

 

(2) المقال الثاني:

الالحاد بذاته

 

تعج وسائل التواصل الاجتماعي بجدل ساذج جدا حول الالحاد ، هناك تصور عام بأن الالحاد يعتمد على نظريتي التطور والانفجار العظيم ، كما ان هناك اعتقاد بأن الالحاد مرتبط بفهمنا لبعض العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء..؟؟؟ وهذه الاعتقادات تقلب حقيقة العلاقة بين الدين والعلم ، والالحاد والايمان، فأولا يجب فهم أن الدين عموما هو طرح اجابات غيبية لتساؤلات ميتافيزيقية ، فالدين يجيب على العلة الاولى التي انتجت الوجود ، الدين هنا لا يطرح معادلات رياضية بل قصة ، او حكاية ، منذ الاديان الهندية والاشورية والفرعونية ومرورا باليهودية وما نتج عنها. هنا لا توجد قضية علمية يمكن دحضها بل مجرد اقصوصة اما ان تؤمن بها ايمانا اعمى او تتركها.. ولذلك فالالحاد لا يحتاج لنظريات علمية لدحض ما هو ليس بعلمي ، لا يحتاج لنظرية التطور ولا الانفجار العظيم ، فالالحاد سابق عليهما ، بل لا يعتمد عليهما كما يظن البعض ، فالنظريات العلمية قابلة للدحض كما قال بوبر ، قابلة لأن تنهار وتحل محلها نظريات أخرى ، بل أن العلم ليس أكثر من نظريات تلغي بعضها البعض ليتشكل التطور العلمي.

فلو انهارت نظرية التطور فلا يعني هذا انهيار الالحاد بل يعني وجود قفزة علمية جديدة في حياتنا الانسانية مما يعزز قيمة العقل ، ولكنه لا يعزز الالحاد او ينفيه كما انه لا يعزز الايمان او ينفيه لأن الايمان بدوره خارج نطاق العلم والا كان الدين مجرد نظرية .

لذلك فمن يقومون بمناظرات علمية لدحض او تعزيز الايمان والالحاد هؤلاء في الواقع واهمون جدا ويخلطون بين الماورائي والطبيعي ، فسياق الدين مختلف عن سياق العلم تماما . لا يحتاج الملحد لأن يكون فيزيائيا ولا كيميائيا ولا فلكيا لكي يكون ملحدا ، ليس بالضرورة ان أجد نظرية علمية لاثبات عدم وجود الجن والشياطين فالجن والشياطين خارج تجربتنا البشرية وخارج إطار المعرفة العقلانية . ان الالحاد هو بذاته رفض لكل ما هو خارج عن اطار الناموس الكوني حتى ولو لم يقدم الالحاد اي اجوبة عن اسئلة انطلوجية او كونية . فلو تتبعنا الاسئلة الكبرى لوجدناها قد طرحت قبل الاف السنين ، وأتت أديان مختلفة وكثيرة قدمت اجابات مختلفة وكثيرة أيضا لها ، لكنها اجابات غير علمية ، ولم يأت حتى اليوم دين يهتم بأن يطرح اجابات علمية ليكون دينا روحانيا ومصدرا للنظريات العلمية في نفس الوقت.

 

فالالحاد بذاته هو ايضا كالدين بذاته .. خطان متوازيان لا يلتقيان.

أمل الكردفاني - مسكويه.. المعلم الثالث - ملخص كتاب

  • في كتاب رائع بعنوان "الفكر السياسي لمسكويه الرازي-قراءة في تكوين العقل السياسي الإسلامي" يتعرض محسن مهاجرنيا للنظرية السياسية التي اختطها المعلم الثالث مسكويه. باعتباره عالما شيعيا مسلما إيرانيا وذلك في خمسة فصول ؛ درس في أولها حياة المعلم الثالث والأوضاع والمعالم العامة لعصره. واختص الفصل الثاني بالاجتماع والسياسة . وركز الفصل الثالث على مكانة السياسة عند المعلم الثالث. أما الفصل الرابع فركز على أهمية الدولة والحكومة ومكانتهما في فكر مسكويه. أما الفصل الخامس والأخير فقد تعرض لبنية الحكومة وهيكليتها في فكر مسكوية.

    الفصل الأول مسكويه: حياته وعصره:

    اختلف في تاريخ ميلاد مسكويه لكن الراجح أنه ولد بين عامي 320 هجرية و325 هجرية وولادته كانت في مدينة الري جنوب طهران حاليا . أما وفاته فمتفق على أنها كانت في 9 صفر 421هجرية أي أن مسكويه كان من المعمرين واسمه أبو علي أحمد بن محمد .. وقد أطلق عليه لقب مسكويه وتطلق كلمة مسكويه أحيانا على بلاط الملك ، وأحيانا أخرى على بعض الأنغام والإيقاعات الموسيقية ، كما كانت تطلق على مدينة من توابع الري وقد نال لقب المعلم الثاني بعد أرسطو "المعلم الأول" والفارابي "المعلم الثاني" . وقد عاش مسكويه في كنف الدولة البويهية وعاصر وزراءها كالوزير أبي محمد المهلبي والوزير ابي الفضل بن العميد وأبي الفتح بن العميد وأخيرا الوزير عضد الدولة.

    الفصل الثاني: الاجتماع والسياسة: حيث يستخدم مسكويه مصطلح الاجتماع بمعنى الجماهير غير المنتظمة التي تخرج إلى حيز الوجود بدوافع اللذة والنفع والمصالح المشتركة الأخرى . وفي منحى آخر بمعنى الاتحاد والتوافق القائم في جماعة كثيرة من البشر.

    ويشير مسكويه إلى محورين أساسيين: 

    المحور الأول: النقصان الطبيعي للبشر وهو نقصان يحتاج إلى تتميم ولا يمكن للأفراد -كل على حده - بلوغ هذا الكمال ، ولما كانت هذه الحاجة سليمة وصحيحة اضطر الانسان لدعوة غيره ليلتف الجميع حول بعضهم بعضا.

    المحور الثاني: في تكوين الاجتماع هناك محبة وألفة فإذا كانت هذه المحبة موغلة في الجذور ومستحكمة استحكاما جيدا كان الاجتماع ثابتا قائما مستقرا ، أما إذا كانت نابعة من منافع عابرة ومصالح خارجية سريعة الزوال فإنها تزول بزوال تلك الدوافع والمصالح لا محالة ما يفضي -نهاية -إلى زوال الاجتماع برمته.

    وتقريبا ؛ فإن أغلب فلسفة مسكويه تدور مع المحور الأول وجودا وعدما. 

    وينقسم الاجتماع عنده إلى نوعين ؛ اجتماع ناقص كاجتماع المنزل ، واجتماع المحلة ، واجتماع الحي ، واجتماع القرية . واجتماع كامل كاجتماع المدينة واجتماع الوطن كله. ويعتبر أن الناس هم مدنيون بالطبع ولا يتم لهم عيش إلا بالتعاون . شارحا ذلك بقوله: "إنا قد بينا فيما تقدم ، أن الإنسان من بين جميع الحيوانات، لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته ، ولابد له من معاونة قوم كثيري العدد ، حتى يتمم به حياة طيبة. ولهذا قال الحكماء " الإنسان مدني بالطبع" ، أي هو محتاج إلى مدينة فيها خلق كثير لتتم له السعادة الانسانية ، فكل انسان بالطبع وبالضرورة يحتاج إلى غيره ، فهو لذلك مضطر إلى مصافات الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة ﻷنهم يكملون ذاته ويتممون إنسانيته ، وهو أيضا يفعل بهم مثل ذلك".

    ويقسم مسكويه الفضائل إلى فضائل فردية وأخرى جماعية وان هذه الأخيرة لا يمكن بلوغها من دون معونة الآخرين ومد يد العون والمشاركة لهم. ويذهب مسكويه إلى الحكم بفقدان أولئك المنعزلين جملة الفضائل قائلا: "فإذا القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم ، إما بملازمة المغارات في الجبال ، وإما ببناء الصوامع في المفاوز ، وإما بالسياحة في البلدان ، لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية التي عددناها ، وذلك أن من لم يخالط الناس ولم يساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة ، ولا الجدة ولا العدالة ، بل تثير قواه وملكاته التي ركبت فيه باطلة ، لأنها لا تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر ، فإذا بطلت ولم تظهر افعالها الخاصة بها صاروا بمنزلة الجمادات والموتى من الناس".

    الفصل الثالث: مكانة السياسة في فكر مسكويه:

    مفهوم السياسة عند مسكويه: 

    فقد استخدم الى جانب مصطلح السياسة مفردات أخرى من نوع "صناعة الملك" و"تدبير المدينة" ، و "تدبير مصالح العباد" . وإلى جانب استخدامه مفردة السياسة بشكل مطلق ؛ أتى مسكويه على ذكرها مضافة إلى غيرها في تسعة موارد هي: 

    1-سياسة النفس.

    2-سياسة الوالدين.

    3-سياسة المنزل.

    4-سياسة الوطن.

    5-سياسة الملك (الفاضل أو الجائر).

    6-سياسة المنزل.

    7-السياسة الإلهية.

    8- السياسة الشرعية.

    9-السياسة الطبيعية.

    يميز مسكويه بين الحكمة النظرية والحكمة العملية ويحاول في مجال الحكمة العملية تعريف السياسة الشرعية بالقول: "هي التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة". ويعرف السياسة الملكية فيقول في الهوامل والشوامل: "إن الملك هو صناعة مقومة للمدنية ، حاملة للناس على مصالحهم ، من شرائعهم وسياساتهم بالإيثار والإكراه".

    ويقسم السياسة إلى فاضلة وغير فاضلة ؛ فيقول في الأولى: " إن الملك الفاضل إذا أمن السرب ، وبسط العدل ، واوسع العمارة ، وحمى الحريم وذب عن الحوزة ، ومنع من التظالم ، ووفر الناس على ما يختارونه من مصالحهم ومعايشهم ، فقد أحسن إلى كل واحد من رعيته ، إحسانا يخصه في نفسه" . وطبقا للعناصر المذكورة يكون التعريف الأكثر شمولا للسياسة هو: " التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة".

    وتتكون المنظومة الفكرية لمسكويه من عناصر هي كالتالي: الشريعة ، الفلسفة ، السياسة ، الأخلاق والتاريخ. في السياسة والشريعة يقول بأن الدين أس السياسة والملك حارس للدين ، وكل ما لا أس له فمهدوم ، وكل ما لا حارس له فضائع. ويساوي مسكويه بين الشريعة والسياسة الإلهية فيقول: "الشريعة هي سياسة الله وسنته العادلة التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة".

    أما في السياسة والتاريخ: يعتقد مسكويه بأن العالم -ومنه الظواهر السياسية- في حال صيرورة وتكامل دائمين ، فكل ظاهرة لها أساس تكويني، وإذا ما قمنا بتقسيم الزمان إلى قسمين: ما وقع وما لم يقع ، فإن القسم الأول سيكون توليفة من العوامل التي تؤثر في تكوين القسم الثاني ، ذلك أن كثير من الظواهر الاجتماعية تتكرر ضمن ظروف ومناخات متشابهة ، يقول مسكويه: " وإني لما تصفحت أخبار الأمم وقرأت أخبار البلدان ، وكتب التواريخ ، وجدت فيها ما تستفاد منه تجربة في أمور لا تزال يتكرر مثلها ، وينتظر حدوث شبهها ، كذكر مبادئ الدول ، ونشوء الممالك ، وذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك". ويؤكد المعلم الثالث على الآتي:

    1- أن الغرض من كتابة التاريخ هو وضع تجارب الماضي في أيدي الساسة وأهل التدبير وولاة الأمور العامة.

    2-أن موضوع الدرس التاريخي هو تاريخ الأمم ، وسيرة الملوك ، وأخبار المدن.

    3-سبب الانشغال بالتاريخ: للاستفادة من تجارب الآخرين.

    4-اجتناب التاريخ عديم الفائدة .

    السياسة والفلسفة:

    يقسم مسكويه الحكمة إلى نظرية وعملية ؛ أما النظرية فهي ؛ "العلم بالموجودات من حيث هي موجودات" وهي تمثل الكمال العلمي عند الانسان. واما الحكمة العملية المتصلة بالقوة العاملة فيشرحها كالتالي: "أما الكمال الثاني الذي يكون بالقوة الأخرى ، أعني القوة "العاملة" ؛ وهو الكمال الخلقي ...ومبدؤه من ترتيب قواه وأفعاله الخاصة بها ، حتى لا تتغالب ، وحتى تتسالم هذه القوى فيه ، وتصدر أفعاله كلها حسب قوته ". ويحصر مسكويه الفلسفة النظرية في الفلاسفة تماما كما فعل من قبل أبو نصر الفارابي ، حادا بذلك من تدخل الساسة في حريمها وقاطعا السبيل عليهم.إلا أن نتاج عملهم المتمثل في عرض "الآراء الصحيحة" و"الاعتقادات الفاضلة" يوضع تحت تصرف الساسة وضمن سلطتهم.

    ويأخذ مسكويه بنظريات المعلم الثاني في كتابه "تحصيل السعادة" ، والتي تقضي بأن الفيلسوف في الفلسفة النظرية فحسب فيلسوف ناقص ، وإنما يكتمل عندما يلج ميدان الفلسفة العملية ، ويحصل الفضائل الفكرية والخلقية والعملية.

    الفصل الرابع: الدولة والحكومة:

    يقسم مسكويه المجتمعات البشرية على أساس ما يصطلح عليه ب "صرف العيش" ، و "تحسين العيش" ، و"تزيين العيش" ؛ أما صرف العيش فهي المجتمعات التي يعجز أفراد البشر فيها من تأمين حاجياتهم الضرورية في الحياة بمفردهم ، ولكي يستفيدوا من جهود الآخرين يسلمون أمرهم للمجتمع ، فيذعنون له ، فيصبحون كبعض الحيوانات (النمل -النحل) ، مذعنين لحياة اجتماعية بغية الحفاظ على حياتهم ، واستمراريتهم ، لكن مع اختلاف يميزهم عن هذه الحيوانات هو أن الحياة الجمعية عندها تتبلور على شكل غريزي وجبلي. وينتقد مسكويه هذه المجتمعات ، وير ان المجتمع الذي يولد على هذا الأساس يولد ناقصا ، وإذا اتسع هذا الميل إلى هذا الهدف عبر الزمن فإنه سيؤدي -لا محالة- إلى زوال هذه المجتمعات عينها واندثارها.

    وأما المجتمعات التي تظهر لتحسين العيش ؛ فهدفها ليس الحصول على الضروريات الأولية للحياة ، بل أن البشر يقومون بتسخير الطبيعة ويسعون إلى ذلك على أساس عقلهم وعقلانيتهم لكي يوفروا ﻷنفسهم الحياة الفضلى.

    أما المجتمعات التي تعمل لبلوغ "تزيين العيش" ؛فهدفها تزيين المجتمع بالفضائل والغايات والقيم المعنوية .

    وعقب بيانه الأهداف الثلاثة هذه ؛ يذهب مسكويه إلى أن المجتمع الذي يبلغ هذه الأهداف الثلاثة هو مجتمع كامل ومتقدم "فإن اجتماع هذه هي العمارة" ، وإذا ما تورط هذا المجتمع ففقد هدفا من هذه الأهداف الثلاثة فسوف يمنى بأزمة ، ويبتلى بفوضى عارمة ، فينتهي أمره إلى خراب.

    مفهوم الدولة والحكومة:

    يستفيد مسكويه من مفردتي التمدن والمدينة في الكلام على مصطلح السياسة فهو يقول: "إن اجتماع الناس في المدينة توأم مع التعاون ، وهذا المزدوج هو ما يسمى بالتمدن". ومن الواضح أنه ليس المراد من التمدن محض السكن والاستقرار في المدينة ، بل يطلق هذا المصطلح على ذلك الاستقرار المشتمل على بنية منظمة وهيكلية منضبطة. تكون فيها حاكمية فضلى على رأس الهرم وتوزع فيها الامكانات والسلع الاجتماعية بصورة عادلة ، وتعم المعاملات وأنواع التعاون ، أجزاء وقطاعات المجتمع كافة.

    ولمسكويه تعابير مختلفة للحكومة ؛ منها "الملك" بضم الميم ، و "السلطنة" ، و " الولاية" ، و "قيم الجماعة". ويقول في تعريفها : "إن الملك هو صناعة مقومة للمدينة ، حاملة للناس على مصالحهم ، من شرائعهم وسياساتهم (بالإيثار والإكراه) وحافظة لمراتب الناس ومعايشهم ، لتجري على أفضل ما يمكن أن تجري عليه".

    فمفهوم الدولة في الفلسفة السياسية لمسكويه لا يمكنه أن يتبلور من دون حكومة ، ولهذا كان زوال الحكومة عنده مستدعيا لزوال الحاكمية وأصل الدولة وأساسها. ذلك أن المجتمع سيصاب بالهرج والمرج وتعمه الفوضى إذا ما انعدمت الحكومة فيه.

    الفصل الخامس: بنية الدولة ومكوناتها:

    تتمتع القيادة العليا عند المعلم الثالث بمكانة متميزة ؛ فهي تحتل عنده رأس هرم السلطة ،ويستخدم مسكويه لهذا المنصب تعبيرات كثيرة نذكر منها: الإمام ، الحكيم ، الفيلسوف ، المدبر ، السياسي ، الحاكم ، الملك ، القيم ، السلطان ، الواسطة والوسيط ، المقوم. ويعتقد مسكويه بأن الحاكم هو الحافظ للسنن كافة وكذلك للقوانين الإلهية في المجتمع ، وهو الذي يسوق المجتمع إلى السعادة والسرور.

    ومن الخصائص التي يجب أن يتحلى بها القائد:

    1- الصدق .

    2-الابتعاد عن الأهواء النفسية .

    3- التنزه عن العصبيات الجاهلة.

    4- جعل القناعة نصب عينيه.

    5- ضبط النفس.

    6- بناء الذات.

    وظائف القيادة والحكومة:

    يجري الحكام السياسيون -وفقا للفلسفة السياسية للمعلم الثالث- أعمال الحكم والإدارة ، ويتحملون - بمن فيهم الحاكم الأعلى- مسؤوليات منها: اتخاذ القرارات ، التقنين ، القضاء ، الإجراء والتنفيذ بما يتعلق بمجال الحكومة وممارسة السلطة. أي أن مسكويه قد أقترب من المفهوم الحديث للسلطات الثلاثة للدولة (التشريعية ، التنفيذية ، القضائية).

     

    تأمين السعادة المجتمعية:

    تعتبر السعادة أهم غايات الحكومة ، ذلك أنه على كل انسان السير نحو سعادته الخاصة ، ولذا فعلى الحكومة تأمين هذه السعادة. ويلاحظ أن هذا المفهوم الرابط بين الحكومة والسعادة لم يعرف إلا حديثا وقد تبنته بعض الدول فأنشأت وزارة للسعادة.

تعليق على مقال يوسا: لماذا نقرأ الأدب - أمل الكردفاني

  • لم يعجبني مقال ماريو فراغاس يوسا عن (لماذا نقرأ الأدب).. اجتهد لايجاد اجابة لكن اجابته كانت شديدة التقليدية ، لماذا نقرأ الأدب سؤال صعب جدا ، لدي صديق خريج كلية الفلسفة ، سأله شخص آخر لا يكاد يفك الخط: ماذا يشتغل الانسان الدارس للفلسفة؟ 
    في الواقع ورغم ذكاء صديقي هذا إلا انه اسقط في يده ، اجاب اجابة متلجلجة ، وغير مقنعة لكن الشخص الآخر تجاوزها ، إن التساؤلات الصعبة هي تلك التي تأتي من اشخاص بديهيين جدا ، اولئك الذين يفهمون الحياة كما هي لا كما يجب ان تكون ، اولئك الذين لا يقلقهم وجودهم فيها كثيرا ، ولا تمثل لهم حياتهم ذات الروتين والنمط التكراري أي قضية ، ان اسئلة هؤلاء عميقة جدا ومقلقة جدا لؤلئك الذين يعتقدون انفسهم اذكياء او اؤلئك القلقين دائما ، لأنهم لن يتمكنوا من تبسيط ما لا يمكن تبسيطه . انهم لن يتمكنوا من شرح اشكالية بحثهم غير المجدي عن اليقين المعرفي ، ولا عن لهاثهم وراء قيمة انطولوجية لذواتهم ، ليس بالسهولة ان تجيب عن الاسئلة التي تبدوا بسيطة كما يمكنك أن تجيب عن اسئلة شديدة التعقيد بكل بساطة. لماذا نقرأ الأدب ، سؤال بسيط جدا ، وهنا تكمن صعوبة ايجاد اجابة بسيطة مثله ، في الواقع الأديب بدون قارئ يموت ، لكن القارئ اذا توقف عن القراءة فلن يحدث له شيء ، ولذلك على الأدباء ان يجيبوا هم عن هذا السؤال الصعب وليس القارئ ، القارئ قد يقرأ ليسرق زمن وصوله لمحطته وهو في القطار ، وقد يقرأ لأنه يبحث عن التشويق ، وهناك من يحب التأويل ، وهناك من يبحث عن تحليل شخصية الكاتب ، وهناك من يريد ان يشعر بأنه مثقف او يقنع الآخرين بأنه مثقف ، وغير ذلك من اسباب تتعدد ، ما طرحه يوسا من أجابة كانت في الواقع اجابة لسؤال: لماذا نكتب وليس لماذا نقرأ ، اننا في الواقع لا نعرف لماذا نقرأ كإجابة يمكن تعميمها على الكافة ، كما أننا لا نستطيع ان نقول بنرجسية اننا بدون القراءة سنلقى حتفنا ونهلك أو أن الحياة ستتوقف ، او أن الحضارة ستنهار ، هذا كله لن يحدث ، وما لن يحدث ايضا هو ان يتوقف الجميع عن القراءة ، فهذا ايضا مستحيل ، أيا كانت الاسباب فإن الأديب عليه ان يجتهد ليجوِّد فنه من أجل منح القارئ شعورا بقيمة لقراءته . ليس مطلوبا منا ككتاب أن نجيب عن هذا السؤال بشكل عميق ابدا ، بل على العكس ، علينا ان نجيب عنه بنفس بساطته ، نحن نقرأ لأسباب مختلفة ، ولكن يجمعها ذائقة الفن ، وفي نفس الوقت ليس بالضرورة ان تقرأ الأدب ، فلن يأتي يوم القيامة بسبب امتناعك عن القراءة ... ان الأدب له اهميته وهذا لا جدال فيه ، فلا يمكن ان نتجاهل قيمة المسرح اليوناني الذي كتبت مسرحياته قبل الفين وخمسمائة عام ، لتكون تلك المسرحيات العظيمة شاهدة على حضارة فذة تمثل عبقرية الانسان ، لم يكن بالضرورة ان يذهب جميع الاثينيين لمشاهدة تلك المسرحيات ، فقيمتها استمرت تعطي بسخاء ، ان بردية المزارع الفصيح الفرعونية دليل اركويولوجي على حضارة استمرت زهاء الثلاثة آلاف عام . إن الأدب هو تأريخ وتوثيق لإبداع العقل البشري ولضميره وقيمه الانسانية ، أما لماذا نقرأ فليس هذا بالشيء المهم ... ولكن الاهم لماذا ننجز ابداعا ابديا ... والاجابة ببساطة : لأننا بدون ذلك نموت ونحن أحياء...

أمل الكردفاني - الأدب كفن واختلافه عن العلم

الأدب القوي هو ما يكتشف الوجود ، والاقل قوة هو ما يؤول الوجود والاضعف هو الذي يحكي الوجود وشديد البؤس هو ما يسطح الوجود.

 

الأدب كنوع من الفن يعمل نفس ما يفعله العلم وهو اكتشاف الوجود ، غير انه وككل الفن ينقل لنا اكتشافاته عبر المجاز ، خلافا للعلم الذي يعطينا ما يبدو من حقيقة الوجود مفتضحة ومباشرة ، واذا كانت رحلة الانسان الحياتية هي رحلة تسعى الى الاكتشاف ، سواء للذات او لما يحيط بالذات ، فإن الانسان اذن يمارس الفن بشكل مستمر ، غير أن الفنان هو ما ينقل اكتشافه عبر الفن للانسانية جمعاء .

مالذي يكشفه لنا الادب ، ان الأدب في الواقع يعمل من داخل معطيات مدركة وتبدوا شديدة المحدودية ، ومع ذلك يقوم الادب بتكثيف ادراكنا لما كان أمام أعيننا ، او يمنحنا نظرة جديدة من زاوية مختلفة لما لم نكن نره من قبل ، فلنتابع اغلب الأطر التي تدور حولها الرواية على سبيل المثال ، انها في الواقع تنطلق من مشاهد حلمية ، او كابوسية ، بحسب روح الكاتب ، ومع ذلك قد تبدو لنا هذه الاطر مكررة او مستهلكة ، علاقات حب فاشلة ، ثوار مهزومون ، عدالة غائبة ، الخ ، لكنها في الواقع ليست كذلك ، ان الرواية هنا لا تعكس الواقع بل تعمل على تفكيك حقيقته ، وتقدمه كوجبة جاهزة لمن لم يكن لديه معرفة بعمق ازمته . وفي بعض الاحيان ومن خلال الروايات ذات الثقل ، يفاجأ القارئ بانقلاب حاد في تلك القيم المستقرة واليقين الاعمى الذي كان يقود به حياته. وهذه الروايات ذات الثقل قد تتعرض لقمع سلطوي سياسي او قانوني او مجتمعي او ديني ، لأن هناك من اصحاب المصالح من لا يرغبون في كشف الحقيقة. وخاصة عندما تؤدي الرواية الى كسر المطلق وتهشيمه لتؤكد على النسبية ، والنسبية هي عدوة السلطة دائما وأبدا . لكن ايضا ليس ذلك يعني ان الرواية تعني الخير او الفضيلة ، انها ايضا قد تطرح النسبية لتحطم هذه الفضيلة ، لأن الفضيلة في حد ذاتها تطرح كمطلق ، وهناك الكثير من الناس يتعاملون معها على هذا الأساس ، فيتعرضون لخسائر مستمرة ، ان الروايةقد تستعين بفكر تموت فيه الفضيلة في مقابل ارادة القوة ، وتعزز هذه الرغبة التصارعية والتي لا نعتبرها انانية بقدر ما هي حقيقة منطلق التفاعل الانساني بل والتشارك والهدنة المؤقتة بين البشر. قد تقوض الرواية استقرار الفضيلة داخل الانسان ، تلك التي كانت كامنة كملطف لحقيقة تقاسمنا للحياة ، كما فعل نيتشة على وجه التحديد . ورغم ذلك فإن الرواية حين تفعل ذلك انما تختفي خلف حجاب رمزيتها ، تختفي وراء حبكتها المعقدة ، وتبدو لنا وكأنها تحكي لنا مجرد قصة . ان رواية اولاد حارتنا ليست اكثر من قصة عادية بحبكة مملة جدا ، وبنهاية غامضة ، مع ذلك فهذا هو الانطباع لدى القارئ البسيط ، والذي يتعامل مع السطور المكتوبة كدوال ذات تسلسل منطقي. مالذي يمكن ان نفهمه من محاكمة كافكا سوى قصة كابوسية لشخص يتعرض لمحاكمة سرية ، وينتهي به الحال الى الحكم بموته؟ هذه هي القراءة لظاهر النص ، ولكنها ليست كذلك في الواقع .

وقد تتشابه الرواية مع الموسيقى عندما تتحول بمجملها الى رموز صعبة التأويل ولكنها تمس شغاف اعماقنا.

أمل الكردفاني - هايبر ماركت - قصة قصيرة

يرتدي قميصا برتقاليا مائلا الى اللون الاصفر وبنطلون بني كبنطلون الجيش وان لم يكن مبرقعا ، وحذاء جيش طويل العنق ، ملابسه نظيفة جدا ومكوية بعناية ، مع ذلك فكان هزال جسده واضحا ، وشعره الخفيف يوحي بالاصابة بأنيميا ، كان يقف منتصبا يمد رجله اليمني الى الامام قليلا ثم يعود فيمد اليسرى ، يوكئ ذقنه على كفه ثم يبعدها ، لكنه لم يتزحزح من مكانه ، في بداية العشرينات ، اسمر البشرة ، هادئ الملامح. حانت منه التفاتة الى يساره فرفع يده وقال بصوت مهذب: من الباب الآخر يا حاج .. هذا باب الخروج من الهايبر ... الرجل الاخر او الذي ناداه بالحاج كان متوسط الطول او ان كبر السن قد جعل سلسلته الفقرية تنكمش قليلا فيبين قصيرا ، يرتدي جلبابا سودانيا ابيضا وطاقية بيضاء صغيرة ، كان يعقد يديه خلف ظهره ، لوى شفتيه ونظر الى الشاب نظرة ناعسة ثم هز رأسه ببطء وقال: حسنا سأنتظر ابنتي هنا ...

وقف قرب الشاب ، وهو لا يزال يعقد يديه خلف ظهره ، وتبدو عيناه ناعستان وفوق شفتيه المزمومتين شارب ابيض خفيف ، عروق رقبته بارزة ، سأل الشاب: هل انت حارس هنا؟ هز الشاب رأسه ايجابا. صمت الرجل العجوز ، وأخذ يراقب الداخلين والخارجين من الهايبر ، قال للشاب بصوت خفيض: ما هو عملك بالتحديد؟ لم يلتفت اليه الشاب وهو يجيبه: احرس المكان وانظم الدخول والخروج. هز العجوز رأسه ببطء ، القى نظرة بلا معنى إلى الافق ، كان الصباح في بداية طهارته ، الساعة التاسعة تقريبا اوالتاسعة والنصف صباحا ، قال للشاب: وتقف هنا طول اليوم؟ اجابه الشاب: نعم. - أعاد سؤاله: طول اليوم أم ان هناك ساعات محددة للعمل؟ اجابه الشاب: من التاسعة حتى الخامسة . هز العجوز رأسه ببطء ، صمت قليلا ثم اضاف: وتظل واقفا هنا منذ التاسعة وحتى الخامسة؟ . -نعم يا حاج .. قال العجوز: هذا شيء شاق جدا او في الحقيقة ممل جدا... ولابد انك خريج هندسة او طب او حاسوب ولم تجد غير هذه المهنة؟ هز الشاب رأسه نافيا: لا لست كذلك. قال العجوز : يا ابني هذا ليس عملا .. اخلع ملابس المهرج هذه واذهب وابحث عن عمل حقيقي. بدأ الشاب يتوتر ، فقد تلفت يمينا وشمالا بسرعة . قال العجوز: تبدو ابن ناس... قال الشاب وهو يتماسك: شكرا يا حاج ...

دار العجوز بجسده مراقبا الخارجين من الهايبر ؛ ثم عاد الى وقفته المتأملة للأفق ويديه خلف ظهره : صحيح قد تكون مشكلتك انك لا تملك حرفة وبالتالي ليس لديك مهنة حقيقية... هل الراتب مجز؟ مضت برهة من الزمن ، غكغم الشاب: ارحمني يا عمك... فسأله العجوز: ماذا تقول لم اسمعك بماذا تبرطم؟ مسح الشاب وجهه باصابع يده المفرودة وقال بصوت خفيض: لا شيء يا حاج.

قال العجوز: لم تجبني.. هل الراتب مجز... هل يستحق هذه الوقفة الطويلة المملة؟

لم يعرف الشاب ماذا يقول: لا اعرف اذا ما كان مجزيا ام لا ، لكنه افضل من لا شيء. قال العجوز: صحيح.

مر من امامهما شاب سمين يرتدي سترة رياضية قطنية خفيفة ولكنها تبدو اصلية ، نفخ سجارته وهو يرفع رأسه الى اعلى ثم اطفأها وهو يدوس عليها بحذائه ، قبل ان يتجه الى باب دخول الهايبر. تابعه العجوز بنظرات دقيقة ومتمعنة ، ثم قال للشاب: الا تلاحظ ان اغلب من يدخلون الى الهايبر ماركت سمان الجثة... ابتسم الشاب وهز رأسه ايجابا ، اضاف العجوز: هم طبعا ابناء النظام ، لاحظ كيف يخرجون وهم معبئون بالاكياس والحاجيات ، انهم ينفقون آلاف الجنيهات دون ان يطرف لهم جفن . صمت الشاب فاستطرد العجوز: من غير ابناء الاخوان المسلمين يستطيع دخول هايبر ماركت في السودان وينفق عشرات الآلاف لمجرد التبضع؟ ها.. قل لي من؟ اجابه الشاب: لا اعرف ياحاج.. - اكيد ابناء النظام وحدهم ... لاحظ لتلك الفتاة العشرينية . القى الشاب نظرة الى فتاة عشرينية سمينة تسير بصعوبة وهي ترفع منخريها عاليا الى السماء وتطوح باصابع يدها مفاتيح سيارتها الفخمة الى الامام والخلف . قال العجوز: انظر اليها اليست هي ايضا سمينة؟ من يأكل كل هذا الأكل سوى ابناء النظام في نظرك؟ صمت الشاب ولم يجب ، قال العجوز: لا أحد غيرهم بالطبع . هذه الاحجام الضخمة ليست لدى باقي الشعب. انظر الى تلك المرأة التي تبيع الشاي .. انظر اليها كم هي نحيلة ومصابة بفقر الدم ، ان ساعدها يرتجف حين تحمل ابريق الشاي لتصبه على الكوب... اكتفى الشاب بالقول: هذا صحيح... كان العجوز يتحدث وهو لا يزال يعقد يديه خلف ظهره ، تابع بنظراته رجلا ستينيا ينزل من سيارته ، فقال: انظر الى عمامته ... انظر اليها كيف هي ضخمة ، هناك قلة ممن يرتدون مثل هذه العمامات الضخمة ، واهمهم التجار طبعا ، هذا تاجر كبير جدا وبالتأكيد نافذ او له صلة بأحد الاسلاميين في السلطة ... اما التجار الكبار الذين كان لهم تاريخ وشأن فقد تم تدميرهم تماما من قبل النظام الإسلامي ... لم يبق منهم الا قلة قليلة لا زالت تحاول الحفاظ على مستواها المعيشي .. ولكنهم بالتأكيد لن يدخلوا الى هايبر ماركت .. هذا محسوم صدقني... صمت الشاب ثم قال مخاطبا الرجل ذو العمامة الضخمة: من الباب الآخر يا سيدي ... هذا باب الخروج ... نظر اليهالرجل باشمئزاز ولم يعقب بل دار على عقبيه واتجه الى الباب الآخر . قال العجوز: هل قلت لك انه تاجر... اظنني قد اخطأت ... هذا من اتباع النظام .. انه اسلامي حتى النخاع ... الم تر نظرته المحتقرة التي صوبها لك ... هذه هي اخلاقهم صدقني انا اعرفهم جيدا ...

مضت برهة من الزمن وبدأ الناس يتواردون على الهايبر ، قال العجوز: انهم جميعا يرغبون في التبضع قبل صلاة الجمعة لأن الهايبر يغلق ابوابه ... ابنتي ايضا قالت ذلك ... قالت لي يجب ان نذهب قبل صلاة الجمعة حتى نكسب الوقت ، على ماذا يدل هذا في نظرك.. ها على ماذا يدل؟ تثاءب الشاب وقال وهو يخفي فمه براحته: لا اعرف يا حاج. قال العجوز: يدل على انهم جميعا لا يذهبون الى الصلاة .. كاد الشاب ان يقول له: ليس بالضرورة.. لكنه فضل الصمت. فاستطرد العجوز: حكومة الولاية اصدرت قانونا يمنع المحلات من فتح ابوابها منذ صلاة الجمعة وحتى نهاية الصلاة ... لم اعرف الحكمة من ذلك حقيقة .. من اراد ان يصلي فسيصلي ومن لم يرد فهذا شأنه ... هل الذهاب الى الصلاة اجباري؟ وهل غلق المحلات سيجعل الناس يذهبون الى الصلاة.. لا اعتقد ذلك... يبدو لي اجراءا فيه كثير من الرياء.. وهو الرياء والمظاهر التي يتسم بها الاخوان عموما ... لكن لم نحصر الرياء في الاخوان ... الجميع يراءون ... نعم ... ان الموظف يطلق لحيته ويطلب الرشوة ثم يهرول لأداء الصلاة ... ربما كان هذا سذاجة او رياء.. حقيقة لا اعرف.. ما رأيك انت؟ ها ... ما رأيك؟ قظم الشاب اظافر يده اليمني بأسنانه البيضاء ، وطوال هذا الحوار لم ينظر احد الرجلين للآخر ، أصر العجوز: ليس لديك رأي؟ قال الشاب بتوتر: حقا لا اعرف يا حاج ... قال العجوز بدهشة: يا إلهي .. وماذا تفعل هنا وانت تقف طوال اليوم دون ان تتأمل الداخلين والخارجين ... الا تفكر وتحلل هذه الشخصيات. قال الشاب بامتعاض: لا اجد ذلك ممتعا بالنسبة لي . سأله العجوز: حسنا .. اذا لم اكن اضايقك... ففي أي شيء تفكر وانت تقف هنا اثناء نهارك كله؟ حار الشاب جوابا ثم قال بخجل: لا شيء ... لا افكر في شيء يا حاج... اتسعت عينا العجوز وفغر فمه وهو يقول: لا شيء .. لا تفكر في اي شيء... بعدها عادت ملامحه الى سابق عهدها حيث عيناه ناعستان ونظراته الى الافق بلا معنى ، الى ان سمع الرجلان صوتا انثويا ينادي على العجوز ، فتنفس الشاب الصعداء....قال العجوز: هذه ابنتي .. استميحك عذرا سأذهب الآن ... سعدت بالحديث معك... قال الشاب مبتسما: وانا كذلك يا حاج... صحبتك السلامة.... راقب الشاب العجوز والفتاة الذان اوقفا ركشة وركباها مغادرين ...ظل صامتا .. محاولا استجماع ما انقضى من صبره ... رأى شابا سمينا ينزل من سيارته فتذكر حديث العجوز... وبالفعل بدأ يلاحظ ان اغلب مرتادي الهايبر سمان جدا ... نظر الى ساعة يده البلاستيكية المصنوعة في الصين ووجدها الحادية عشر الا الثلث ... تبقى له اكثر من ست ساعات حتى يغادر.... رأى سيدة عجوز تههبط من سيارتها اوتوماتيكية القير .... كانت تتحرك بصعوبة ... تميل الى اليمين بجسدها كله ثم تميل الى اليسار بجسدها كله ايضا ... كانت تتجه الى باب الخروج ... هم بأن يوقفها ويطلب منها الدخول من الباب الآخر الا ان شيئا ما منعه من فعل ذلك... ست ساعات او ربما اكثر سيظل واقفا هكذا ...سيأتون اليه بعد قليل بسندوتش لأكله وهو جائع حقا ... التفت حين جاءه صوت رجل آخر مناديا اسمه: حيدر.... اجاب الشاب مدير الهايبر: نعم سيدي ... سأله المدير بحدة: لماذا لا تمنع الناس من الدخول من باب الخروج... هل هذه مهمة صعبة عليك.... حدجه المدير بنظرة غاضبة ... الا ان الشاب لم يجب فاردف المدير: لماذا لا تجاوب .. الم تسمع سؤالي... لا تكرر هذا الأمر مرة أخرى.. سيأتونك بطعام الافطار بعد قليل ... لم يكن الشاب قادرا على الاجابة ... لم يستطع ان يخبره بأن شيئا ما منعه ... شيء لا يعرفه هو نفسه... نظر الى الأفق وحاول الوقوف بثبات .. لكنه لم يعد قادرا على الوقوف ... هناك شيء ما غير مزاجه تماما ... شيء لم يحدث له منذ الاشهر الستة التي قضاها في هذا العمل واقفا دون اي مشكلة.... وهنا تذكر حديث الرجل ...فتحرك بسرعة ودخل الى الهايبر ، متجها الى غرفة العاملين ، وهناك خلع ملابس العمل وارتدى ملابسه ... وحين هم بالخروج قابله المدير الذي قال مندهشا: ماذا تفعل يا حيدر.... قال الشاب: لن استطيع مواصلة هذا العمل يا سيدي... سأله المدير: ماذا تقصد .. هل تستقيل.. اذا استقلت فلن يكون لك اي مخصصات مالية سوى راتبك لهذا الشهر ... قال الشاب: لا اريد راتبا ولا مخصصات يا سيدي .. انني مغادر ... سأبحث عن عمل حقيقي...

 

ثم خرج من الهايبر....

أمل الكردفاني - الهوية المقدسة - قصة قصيرة...

- الرئيس يدعوا لاجتماع عاجل... الآن وفورا.

اجرى اتصالا آخر وثالث ورابع ... وبتوتر بالغ اصلح من ربطة عنقه وحمل رزمة من الاوراق ولم ينس قلمه غالي الثمن فغرزه في جيب سترته ، وبخطوات واسعة وسريعة دلف الى قاعة كبيرة الا ان من بها لم يتجاوزوا سبعة اشخاص ، توسطهم الرئيس ، الذي فتح ورقة امامه .. والقى اليها نظرة فاحصة من خلف نظارته وقال: لم يعد هناك وقت ايها السادة ...

نظر الى وجوههم الواجمة واضاف بحزن:

-ان امريكا تنهار... هكذا فقط... بكل بساطة...

عم صمت المكان ، تلفت الرئيس بحيرة وقال:

- الصين ابتلعت العالم كله بنعومة.. ابتلعته بينما نحن نحاول فرض نفوذنا بخشونة زائدة عن الحد ... اليوم وصلتني هذه الرسالة من دول النفط العربية ، والتي تفك اي ارتباط بين البترول والدولار ... رسالة أخرى من الصين تعتبر فيه الدولار مجرد ورق لا قيمة له ، والآن بورصتنا تنهار واوروبا جزعة ومرعوبة وهناك ازمة مالية ضخمة كنا نحاول اخفاءها طوال الاشهر السابقة ولكن اليوم تم اعلان افلاس اكبر عشرة بنوك بالولايات المتحدة ، انهارت كبيت النمل الطيني. هذا ملخص لما تعلمون به مسبقا وارجوا ان تعينونني على اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن .. قرارا يحدد مصيرنا الى الأبد ...

مضت برهة من الصمت ، ففتح الرئيس كفيه منتظرا اجابة ، حينها تنحنح ستيني يرتدي سترة عسكرية ، وقال:

- لم تنهار الدولة بعد... جيشنا لا زال الأقوى ... لا زلنا في المقدمة من حيث التكنولوجيا العسكرية ...

قال الشاب بيأس:

- سنبيع كل هذه التكنولوجيا للصين لرد قيمة ديونها الترليونية علينا ...انها ترفض الوفاء بالدولار وتشترط الذهب ، واحتياطينا من الذهب لا يكفي للوفاء بهذا الدين الضخم .. حاولنا جدولة الديون لكن من الواضح ان الصين تستغل حالة هزالنا وارتباكنا بعد ان فقدنا السيطرة على النفط ... ان كل شيء يتداعى بكل هذه البساطة....

صاح العسكري بعضب:

- سنحتل دول النفط بالقوة ...لدينا قواعد عسكرية تستطيع انهاء الأمر في ساعات فقط ... حتى فنزويلا سنحتلها ، عندما لا تصلح المفاوضات فليس امامنا سوى الحرب.

قال الشاب مستنكرا:

-الحرب ليست لعبة ... الصين زودت هذه الدول بمنصات صواريخ اعتراضية ونحن ايضا زودناهم بأسلحة حديثة هذا ناهيك عن ما هو اهم من هذا كله ؛ المبرر يا سادة ... لا نملك مبررا لاحتلال هذه الدول ...

قال عجوز اصلع الرأس: فلنختلق مبررا اذن...

قاوم الشاب: اوروبا لن تقف معنا في حرب ذات مبرر واه ... وواضح الكذب ... ما نحتاجه هو ان نجد مبررا عميقا .. لقد استخدمنا كل المبررات في كل حروبنا السابقة .. مقاومة الشيوعية .. الارهاب ... فرض الحرية ... الديموقراطية.. مقاومة النازية ..فماذا سنفعل الآن .... دول النفط اشترطت الدفع باليوان او الذهب عندما علمت ان الدولار تحول الى عملة لا قيمة لها ... بل حتى اوروبا تتجه الى اتخاذ ذات القرار ... انهم خائفون جميعهم على اموالهم ... كان ذلك دافعهم سابقا إلى الوقوف مع امريكا الا ان الصين منحتهم تطمينات كافية اذا تم استخدام اليوان كعملة بديلة للدولار ... الصين سرقت ذهب افريقيا كله ... لديها الان جبالا من الذهب في خزنها ... واقتصادها قائم على الانتاج الفعلي وليس كفقاعة اقتصادنا هذا ...

قال العسكري: لا زلنا الأقوى عسكريا ... لا زلنا نمتلك التكنولوجيا اللازمة لاجتياح كل دول العالم بما فيها الصين ...

ثم نهض وقال بغضب: لا مناص امامنا يا سادة سوى من احتلال العالم ... ضرب الدول العاصية باقسى واعنف ما يمكن ان نوجهه وبكل ما لدينا من قوة.. انها مسألة حياة او موت ... فلتحيا اميريكا..

ثم مد راحته محييا التحية العسكرية ... فنظر اليه الرئيس باشمئزاز .. وطأطأ رأسه.. وقال:

- انتهى عهد النازية ايها الجنرال .. لسنا المانيا الهتلرية ... لا نملك ما نحث به الشعب الامريكي على القتال ... لا نملك حتى فلسفة كفلسفة هتلر لنبرر اجتياحنا للعالم ...

كان هناك رجل هزيل البنية ، لا يوحي شكله بسنه الحقيقي فلا هو بخمسيني ولا ستيني ... سترته مهدلة ويبدو عليه الوجوم من خلف نظارة سميكة ... قال بصوت رقيق خفيض:

- سيدي الرئيس ... هلا سمحت لي...

نظر اليه الرئيس وأومأ قائلا: بالتأكيد يا شبيه آلان وود ... لقد صمت كثيرا حتى خشيت انك لن تتكلم أبدا ....

قال الهزيل: البقرة هي الحل يا سيدي ....

التفت الجميع اليه باستنكار ... فاردف:

- نعم البقرة يا سيدي ... إن اكذوبة فرض الحرية والديموقراطية كمبررات لشن حروبنا ما عادت تجدي ... لا بد ان نغير اولا من قيمنا الأساسية ... لا بد ان نجد هوية جديدة لأميريكا .. هوية ندفع بها كل الشعب الامريكي للدفاع عنها ... وسيساعدنا اعلامنا كله من اجل فرض هذه الهوية يا سيدي الرئيس... خلال اسبوعين من الآن يجب ان تتغير هوية الولايات المتحدة تماما ... اننا دولة فقدت هويتها البروتستانتية ... والبروتستانتية نفسها عقيدة مسالمة وفاشلة ... لقد ذم نيتشة المسيحية كلها لأنها تأمر بإدار الخد الذي لم يصفع ليتذوق هو ايضا طعم الصفعات ... لا بد ان نجد عقيدة اخرى ...

بدا الاهتمام على وجه الرئيس واشار للنحيل بالاستمرار ... فقال الأخير:

- لقد فكرت في عقيدة جديدة ... طرأت الى مخيلتي عندما كنت اقرأ أديان الهند ... وخاصة الهندوسية ... انهم يا سيدي يقدسون البقرة ... نعم ... نحن لن نقدسها فقط نحن سنعلنها آلهة وحيدة في هذا العالم .... سنسميها الديانة الهندواميركان ... ان اغلب الشعوب بما فيها دول النفط والصين وامريكا اللاتينية وروسيا وواوربا يأكلون البقر يا سيدي الرئيس...

ثم قال بغضب: هل تفهمون ما اقوله يا سادة ... انهم يأكلون إلهنا الأعظم ... يأكلون هويتنا الوحيدة .... وإن رسالة امريكا هي حماية مقدساتها والدفاع عنها في اي مكان كان ... على جميع دول العالم ان تسلمنا ابقارها وان تصدر قوانين تحظر أكل لحم البقر ... البقر الذي هو آلهتنا وهويتنا وعنواننا وكرامتنا ... وبما ان تنفيذ الدول لهذه الأوامر الامريكية لن يكون سهلا ولن يتم بين عشية وضحاها فلابد لقواتنا ان تتدخل من اجل شيئين ان تضمن تنفيذ هذه الأوامر من ناحية وأن تتابع حسن تنفيذها من ناحية أخرى ... وعلى جميع دول العالم ان تعبد البقرة ... بكل اختصار ... لأننا لن نقبل منافسا لرمز كرامتنا وخلودنا الأبدي ... هل تقبلون انتم ذلك يا سادة ؟ ها .. هل تقبل بذلك سيدي الرئيس؟ بأن يذل ويهان رمزنا الخالد وهويتنا المقدسة ....

رفع الرجل ذراعيه منتظرا الاجابة فسرت همهمات بين الجميع وهم يقولون : لا بالتأكيد لن نقبل ... لن نقبل ... ابدا لن نقبل..

اغمض الرئيس عينيه ... ثم صفق صفقات خفيفة وهو يقول: احسنت قولا يا شبيه آلان وود ... اذن فلتكن الإلهة البقرة هي منقذنا من السقوط ...

قال النحيل:

- الآن سأجهز لك خطابا حماسيا سيدي الرئيس لتلقيه على مسامع الشعب الأمريكي معلنا اتخاذ البقرة آلهة ورمزا للولايات المتحدة الأمريكية ، وأن الشعب عليه ان ينهض كله للدفاع عن إله ومقدساته ... داعيا الشباب الى التطوع في الخدمة العسكرية .... لا تخف سيدي الرئيس ... سيكون خطابا حماسيا مذهلا ... لا تنس أن الشعب الأمريكي اصيب بتخمة الرفاهية وهو يصدق كل ما تقوله له وسائل اعلامنا ... ستبث الفضائيات والقنوات الاخبارية ولمدة اسبوعين اخبارا تؤكد قداسة البقرة وألوهيتها ومعجزاتها ... فهناك في ابعد الكواكب رسمت البقرة علامة سطوتها ... وفي اعمق المحيطات سنشد اشارة البقرة منحوتة على الصخور الغارقة ... وستظهر علامة البقرة حتى في اجنحة الحشرات والديدان .... بل وحتى الفيروسات والبكتريا ... سيكشف اعلامنا الحر المستقل النزيه عن معجزات إلهتنا البقرة في كل هذا الكون ...

قال الرئيس: ولكننا نحتاج لشعار لديننا الجديد ...

ابتسم النحيل ووضع سبابتيه فوق رأسه وهزهما ... فأمن الرئيس على هذا الشعار قائلا: أحسنت يا شبيه آلان وود ...

ثم نهض بعنفوان ونشاط وقال وهو يصفق:

- حسنا يا شباب ... الى العمل ... الى العمل ...

* * *

 

بعد اسبوعين تحركت كل القطع البحرية الأمريكية وكل سلاحها الجوي والبري وصواريخها النووية والهيدروجينية نحو دول العالم ... للدفاع عن الآلهة البقرة ... فاستسلمت دول النفط قبل ان تبدأ الحرب وعلقت صور البقرة بديلا عن اعلامها الرسمية ، واعلنت كل حكومات افريقيا الدكتاتورية انها ستدافع عن البقرة بآخر جندي لها ... وأكدت دول شمال افريقيا ان البقرة هي اول ديانة فرعونية في التاريخ . وحاولت روسيا المقاومة لكنها قررت الا تدخل في صدام لا تحمد عقباه ... اما الصين ... فوضعت كل ترسانتها العسكرية في حالة الاستعداد الا انها لم تجد حليفا معها ... فطلبت التفاوض...

أمل الكردفاني - أشياء تتساقط.. مسرحية من ربع مشهد

المسرح: (مساحة خالية الا من اربعة مقاعد ذات مساند اسفنجية مهترئة ، يجلس على كل مقعد رجل ، لا تستبين ملامحهم لسقوط الاضاءة على جزئهم السفلي من اجسادهم ، فيما يقع الظل في وجوههم ، لا يفصل بين كل كرسي وآخر اكثر من عشرين سنتمتر ، وتتراص المقاعد بشكل نصف دائرة ، ولكنها كلها مواجهة للجمهور ، باقي مساحة المسرح تتوزع فيها بقايا اشياء مختلفة ، تبدو كقمامة أو مخلفات ، ملابس ، ادوات موسيقية ، قشر موز ، حجارة ، اغصان جافة ، …الخ يبدو الجالسون الأربعة متكاسلين في مقاعدهم اياديهم مرتخية ومتدلية على جانبي المقاعد).

(يسمع صوت دوي..يرفع الجالسون الاربعة رؤوسهم الى السماء بصمت ثم يخفضونها) ، تسقط ثلاث مظلات من السماء على المساحة الخالية)

الجالس الأول: سقطت ثلاث مظلات من السماء

الجالس الثاني: سقطت ثلاث مظلات من تلسماء..

الجالس الثالث: سقطت ثلاثة مظلات من السماء..

الجالس الرابع: سقطت ثلاث مظلات من السماء…

وبصوت واحد يرددون (لا يوجد شمس…لا يوجد مطر..) ..

صمت ….

(صوت صفارة… يتوقف صوت الصفارة … تسقط ثلاث قنابل يدوية دون ان تنفجر) ..

الجالس الاول: سقطت ثلاث قنابل يدوية من السماء..

الجالس الثاني : سقطت ثلاث قنابل يدوية من السماء …

الجالس الثالث: سقطت ثلاث قنابل يدوية من السماء…

الجالس الرابع: سقطت ثلاث قنابل يدوية من السماء…

وبصوت واحد يرددون (لا توجد حرب…لا توجد حرب .. لا توجد حرب..)

الجالس الأول: لقد ناضل الرجل حتى النهاية …

الجالس الثاني: كان رئيس الكتلة اليسارية هو عدوه الأول ..

الجالس الثالث: أما اسعار البطيخ فكانت باهظة الثمن بالرغم من أنه كان فصل الخريف…

الجالس الرابع: لم يكن هناك ميزان للعدالة ، هل رأيتم قاضيا لديه ميزانا في طاولته السميكة البنية؟..

(صوت دوي … يتبعه بعد فترة صمت سقوط ثلاثة احزية مختلفة النوع)

الجالس الاول: سقطت ثلاثة أحذية من السماء.

الجالس الثاني: سقطت ثلاثة أحذية من السماء..

الجالس الثالث: سقطت ثلاثة أحذية من السماء..

الجالس الرابع: سقطت ثلاثة أحذية من السماء…

صمت .. يرددون بصوت واحد (لا توجد أقدام … لا توجد أقدام .. لا توجد اقدام..)..

الجالس الأول: كان السيد س سياسيا بارعا… لا اعرف كيف ولكنه كان كذلك..

الجالس الثاني: الأتربة اعاقت بصره وهو يقود السيارة .. كان يريد ان يقبل الدبابير التي على كتفيه في نفس الوقت … لقد مات…

الجالس الثالث: وكذلك اسعار الباذنجان .. كان هناك باذنجان احمر ..هل تصدقون هذا..هل تصدقون ..

الجالس الرابع: لم تتوقف السياسة بسبب الحرب بل توقفت الحرب بسبب السياسة ..كانت هذه معجزة..

(صوت أزيز يليه سقوط ثلاثة بيضات واحدة وراى الأخرى)

الجالس الاول: سقطت ثلاث بيضات من السماء ..

الجالس الثاني:سقطت ثلاث بيضات من السماء..

الجالس الثالث: سقطت ثلاث بيضات من السماء..

الجالس الرابع: سقطت ثلاث بيضات من السماء..

صمت… يرددون بصوت واحد (لا يوجد جوعى …لا يوجد جوعى .. لا يوجد جوعى..)..

الجالس الأول: لقد كان انصرافيا محضا .. رأيته كيف يسقي الورود يوم وفاة زوجته ..

الجالس الثاني: ارتفعت اسعار الخبز ..اتذكر اننا كنا نقف في طابور طويل جدا ..

الجالس الثالث: لم يتحمل وحشة التعذيب طويلا لقد اقر بجميع المتآمرين معه ..وتم اعدامهم جميعا بدون محاكمات عادلة ..

الجالس الرابع: هناك سخونة في مجرى البول..في المستقيم تحديدا..ولكنها ليست البروستاتا… لقد كان عجوزا جدا ..

صمت … (يهبط اربعة ملائكة من السماء)…

الجالس الاول: سقط اربعة ملائكة من السماء…

الجالس الثاني: سقط اربعة ملائكة من السماء..

الجالس الثالث: سقط اربعة ملائكة من السماء ..

الجالس الرابع: سقط اربعة ملائكة من السماء…

(يقف كل ملاك خلف رجل من الجالسين) ..

الجالس الأول: ان المشهد كان فظيعا… كانت القطة تصرخ وهي داخل الزيت المقلي.. كان ينتظر أكلها بفارغ الصبر..

الجالس الثاني: والبطاطس والفلفل الأخضر .. وتاريخ البيزنطيين ..كل شيء كان له رائحة مختلفة ..

الجالس الثالث: ان جدنا النياندرتالي او كيفما اسموه كان يملك الأرض كلها .. كان كل ظل شجرة ملكه ..وكل ثمرة تسقط منها يهبها لبطنه الجائعة ..

الجالس الرابع: انه ثرثار مثل حلاق اعمى .. لقد قطعت له زوجته لسانه ومع ذلك لم يتوقف عن الاشارة بيديه واصابعه ..

(يتسلط الضوء على رؤوس الملائكة الاربعة ، باجسادهم الصغيرة ووجوههم الطفولية ، واجنحتهم الملونة …)

الملاك الأول: أيها الجالس الأول ..

الجالس الأول: نعم يا ملاكي الصغير.. انني مصغ..

الملاك الأول: لقد تذوقت طببخ الجنة .. كان شهيا ولكن طبيخ السيدة كان أشهى .. هل تعرف لماذا؟

الجالس الاول: نعم أعرف .. كان هناك ثوم وبصل .. والجنة لا تتحمل الروائح الكريهة ..

دعني أقول بأن عالمكم العلوي لا يتفق البتة مع عالمنا السفلي..انا لا أعرف حقيقة ايهما اكثر ثراء ..لكن..وبما أنني بشري ..وبما أنني اناصر جنسي حد العنصرية أستطيع ان اقول بأن الجنة فقيرة جدا .. انها كلوحة جميلة لكنها لن تضاهي الطبيعة …

الملاك الثاني: أيها الجالس الثاني؟

الجالس الثاني: نعم يا ملاكي ..هل انت ملاك حارس؟

الملاك الثاني: انا لم اتخصص بعد يا سيدي .. لكنني اعرف مهامي جيدا .. في الواقع هل تعرفون انتم مهامكم .. لماذا تبدون لي فوضويين هكذا؟..

الجالس الثاني: ان تاريخ الفواكه في الارض كان مضطربا جدا… لم تبين لنا النظرية كيف تطور الموز ليكون موزا … ولماذا لم يصبح شيئا آخر … ان الفوضى التي تتحدث عنها ليست حقيقية ..لأن عالمكم ثابت .. خاضع .. لا يمكن اكتشاف شيء فيه .. مع ذلك فغموض عالمنا السفلي يجعله هكذا … مثل السيد س الذي شنق زوجته لأنها كانت تضغط معجون الأسنان من الأعلى وليس من الأسفل …

الملاك الثالث: ايها الجالس الثالث..

الجالس الثالث: هل تعرف انني كنت اتوقع ذلك.. اتوقع جملتك هذه

الملاك الثالث: او تريد القفز على الواجبات؟

الجالس الثالث: لا لا اريد القفز على الواجبات ..لكنني لاحظت اهتمامكم بالتكرار..التكرار الممل ..حتى في نصوصكم … لقد تبادر الى ذهني ان الاسطورة السومرية غسلت ادمغة السومريين الاوائل عبر التكرار ذي الطبيعة المقدسة … هناك شيء نمله نحن البشر.. التكرار … ومع ذلك ينفي البعض التكرار.. يقولون بأنك لا تستطيع ان تكرر شيئا وانك لا تستطيع ان تنزل في نفس النهر مرتين .. اصدقك القول ان ما يتكرر عندنا هو الشعور فقط… الشعور يتكرر بدون ادنى شك… حتى الكلبة التي كانت حبلى للمرة الخامسة كانت تشعر بذات شعورها حين حملها الاول…

الملاك الرابع: ربما تجاوزا عن ملاحظة الجالس الثالث سأسألك مباشرة ايها الجالس الرابع قبل ان امنحك تأشيرة الخروج .. هل تريد الخروج…

الجالس الرابع: انني اتذكر الاشياء التي سقطت جميعا يا سيدي الملاك الرابع..اتذكر انني في الواقع لم احرك ساكنا ابدا ، لقد كنت مستسلما تماما ..ليس جبنا مني ولكن لأنني لا أملك سوى الا افعل شيئا .. هل تعتقد أنكم في عالمكم اقل عجزا منا.. هذا وهم .. ان عالمنا السفلي هذا هو الاقل عجزا رغم انه في النهاية عجز .. لأننا مثل طفل صغير يملك ثلاثة دمى ..وهو مضطر ان يلعب بالثلاثة حتى يكبر .. نحن نلعب بدمانا بشكل دائم..لكن بدلا من ان تقف الدمية دائما نجعلها جالسة..وبدلا عن ان تسير الى الامام نجعلها تسير الى الخلف .. وفي كل الاحوال فنحن وبشيء مما نسميه ذكاءا نحاول طرد فكرة العجز عنا بلعبة التباديل هذه .. ان الفلاحة وهي تحلب ضرع البقر تختار زوايا مختلفة لقبضة يدها رغم ان الضرع واحد ..

يردد الملائكة الاربعة في صوت واحد:

(فلنجهز مشانق الارواح .. الزهور البرية في الشتاء .. عسل السدر في شمعه … والفتاة تصاب بصرع مفاجئ كل يومين او ثلاثة)..

ينهض الرجال الاربعة من جلستهم وهم يرددون بصوت واحد

( قبة العماء.. مثل سياسي يكذب دائما .. لا شيء يدفعنا الى الوجود سوى اكتشافه .. ولا شيء سوى العجز … فلنرتفع الى السماء)

يرتفع الرجال الاربعة الى السماء ويختفون… ويجلس الملائكة الاربعة في مقاعدهم..

يسود صمت لثلاثين ثانية… تسقط ثلاثة كتب من السماء…

الملاك الأول: سقطت ثلاثة كتب من السماء..

الملاك الثاني: سقطت ثلاثة كتب من السماء..

الملاك الثالث: سقطت ثلاثة كتب من السماء..

الملاك الرابع: سقطت ثلاثة كتب من السماء ..

 

(ستار ويظلم المسرح)

أمل الكردفاني - تأملات بسيطة في فن الرواية (التحقيب ، الناص ، سلطة الكتابة)

(1) تحقيب الرواية او الفن عموماً

 

 

هذه النزعة المنتقاة من مفاهيم علم الاجتماع نحو تحقيب الرواية ، اي وضعها داخل برادايمات زمانية ، فهناك رواية كلاسيكية وأخرى حديثة واخرى حداثية وثالثة ما بعد حداثية صارت موضة هذه الايام ..انا شخصيا لا اجد ذلك منطقيا ، لسببين ان الحقب نفسها كالحداثة او ما بعد الحداثة فيها الكثير من التصنع ، لأنها تفترض بنيانا جامدا للتطور الانساني وان هذا البنيان تحدث به انقطاعات مفاجئة.. انا لا اؤمن بمسألة الانقطاعات هذه ، او لا استطيع ان اتقبلها بسهولة حتى لو كانت صحيحة ، لأن ما اعرفه اننا نتاج تراكمي وليس فجائي ، ان الشيء يفضي الى الشيء وبالتالي لا يمكننا اغفال حالة التلامس والذوبان في اطراف التغيرات بحيث نسميها بكل طمأنينة وتواص

ضع تطورات وليس حقبا مستقلة الظهور . لا شيء في عالمنا هذا ينبثق من اللا شيء ، هذه ليست قاعدة في العلوم الطبيعية فقط بل حتى في تكوين بنائنا المعرفي ... والسبب الثاني هو أن تحقيب الرواية يشير الى قصدية المحاكاة ، وهذا ليس شيئا مستحبا جدا ، ان ينطلق الأدب من قصدية المحاكاة لما يصبح ظاهرة أدبية ، الحديث عن العقل الأداتي او التشيؤ ، او التشظي ، او التساؤل بدلا عن الاجابة في الرواية الحديثة لا يمكن ان يستغرق كل التجارب الروائية ، تجربة فرجينيا وولف او جيمس جويس او خلافه ان كانت متميزة فهي تنسب لهما لا الى عصر كامل ، لا يمكن ان نسمي حقبة كاملة بإسلوبين جديدين ، صحيح ان الرواية تتغير لتعبر عن واقع في كثير من الأحيان لكن فكرة القصدية المحاكية تنفي قيمتها ، من قال أن الروائي اما ان يكتب عن التشيؤ والتشظي والتساؤل وغيرها من مفاهيم غير مستقرة حتى الآن ، ولماذا يجب ان يعبر الكاتب عن قضايا محددة ومرسومة له مسبقا ، هل هناك مانع من العودة الى الرواية الأخلاقية ، هل نستطيع ان ننفي مسمى الرواية عن النصوص الرومانسية؟ هل ننكر على الرواية البوليسية جدتها ونعتبرها ساقطة خلف جدار التاريخ؟ لا اعرف لكنني لا اعتقد صحة هذا الأمر ، هذا في حد ذاته لو حدث لأقحمنا في وصاية مذمومة جدا وغير مستندة على اي أساس.

 

 

(2) الناص بين الرسالة والرمز

 

بالتأكيد تبدو لنا النصوص الرمزية محققة لدرجة من القيمة الابداعية ، ويرفض الكثير من النقاد منح العمل الأدبي حقه من التقييم النقدي اذا كان عملا مباشرا. الكثير من الكتاب لم يستمروا دائما على خط واحد من الكتابة جيدة ، فكما كتب محفوظ كتابات عالية الرمزية كتب كتابات قد تكون شديدة المباشرة ، ومثله ماركيز وغيرهما .. ان الكتابة يحكمها أمران في تقديري المتواضع في هذا الشأن: اولهما هو الرغبة نفسها في الكتابة ، حين لا يجد الكاتب من يكبح جماح شغفه بكتابة نص ما مهما كان مباشرا ومفتقدا للرمزية ، هو غالبا لا يأبه لذلك .. أو يغلب اشباع شغفه على الحفاظ على مستوى قياسي معين للكتابة. أما الأمر الثاني فهو النزاع بين الكتابة كرسالة والكتابة كابداع ؛ فحين يكتب الروائي او المسرحي الايرلندي نصا ليعبر عن القضية الايرلندية مثلا ، يواجه بهدفه الأساسي وهو نقل قضيته الى اكبر عدد من الجماهير ، وهذا قد لا يتأتى عن طريق الرمزية التي تحتاج للقراء النخبة. فعندما تكون الكتابة رسالة يضع الكاتب الجمهور المستهدف بالنص نصب عينيه ، يضعه برمته ، أي بكل مستوياته وأسقفه المعرفية ، بل أنه قد يهتم بالقاعدة الاقل قدرة على التأويل والتحليل ، ان ماركس مثلا كتب للعمال ، كتب لهم بمستوى يتفق وقدرتهم على استيعاب فلسفته ، وتبعه انجلز في ذلك. ان الناص هنا لا يهتم بالجانب المتعالي كمبدع وانما بالجانب الرسالي كحامل لسلاح القلم . هنا لا يكترث الكاتب بشهرته السابقة ، ولا يهتم بإعادة تقييمه كمبدع ، وانما يتحول الى جندي يدافع عن قضيته باستبسال . لقد انتقد النقاد مثلا رواية طائر الشؤم لفرنسيس دينق ، نعتوها بالهزالة ووصفوا كاتبها بانعدام الموهبة الروائية ، لكنهم نسوا ان فرانسيس دينق لم يكن يكتب هذه الرواية ليشار اليه ككاتب مبدع ، انما لينقل رسالته عبر الكتابة الأدبية ، لأن الناس تتقبل الرسائل من خلال الأدب كما يتقبل المؤمنون اختلافات شيوخهم ويرفضون ذات الاختلافات اذا صدرت من ملحدين. بالفعل أدت رواية طائر الشؤم دورها الرسالي هذا وحققت هدفها والدليل البسيط على ذلك انها انتشرت على اوسع نطاق ونالت قبولا عاما يهزم انتقائية النقاد ومقاييسهم التقنية. وعندما تكون الكتابة رسالة فهي مهما عانت من ضعف الا انها ستجد اقبالا واسعا من الجماهير وقد تكون اكثر تأثيرا من كتابة شديدة التقعر ومربكة لعقل القارئ العادي. قد يعتقد البعض انها كتابة شعبوية او خطابا ديماغوغيا كخطابات الزعماء السياسيين ، ولكن في كل الاحوال من قال ان الخطاب الشعبوي او الديماغوغي لا قيمة له ، على العكس تماما ، ان الزعامات السياسية ذات الكاريزما خاطبت شعوبها هكذا ، وأثارت حماستهم للدخول في حروب غير محسوبة العواقب بناء على هذه الخطابات لا بناء على نقاشات فلسفية معقدة. كذلك الأدب قد ينحو الى هذا الخطاب ليحقق هدفه المنشود عبر الرواية او المسرح او الشعر او القصة...

 

 

(3) سلطة الكتابة

 

 

[IMG]الكتابة كرئاسة دولة الى حد كبير ولكنها رئاسة ديمقراطية، ليس فقط لأنك تتلقى انتقادات واشادات متعارضة ومتناقضة ، وتقابل كارهين وحاسدين ، بل لأنك ايضا تشارك في نقل مفاهيمك بعمقها وسطحيتها للآخرين ، انت تطلب منهم اكثر من ذلك ان يفكروا وبالتالي يمارسوا نقدا للنص ، فخلافا للرئاسة السياسية التي تحاول نزع اي سلطات من المحكومين وتركيزها جميعا في يدها ، فإن الكاتب يسعى لمنح هذه السلطة للقراء ، الا انه يتحول هو نفسه الى هدف للانقلاب على سلطته هذه ممن قدم لهم هو سلطته بكل رحابة صدر ، والكاتب وهو يفعل ذلك يرحب بهذا الانقلاب لأن لديه ثقة في قدرته على مواجهة التحدي مادام عابرا بفكره في بحر الزمن ... فالفكر لا ينضب . فقط اؤلئك الذين انبثقت لديهم -في شكل معجزة- فكرة واحدة اعتاشوا عليها اولئك هم من يحاولون احتكار السلطة لأطول فترة زمنية ممكنة ، ويفشلوا في النهاية ، لأن الانسانية لا تتوقف على فكرة واحدة ولا تتطور بها ، مهما كانت فكرة ثاقبة ولماحة. الكتابة كسلطة لها بهرجها في نفس الكاتب ، إلا ان عليه ان يستمر في التجرد والامتناع عن الانبهار بقوة هذه السلطة لأنها سلطة تنبثق عن التواضع قبل كل شيء ، تنبثق عن تقبل كل معارف الانسان الذكية والبسيطة ، لأن الكتابة تستعين بكل شيء لكي تلعب درها السلطوي . فهي تنطلق من الاسفل الى الأعلى تنطلق من الانسان بمفهومه البسيط الى الأكثر تعقيدا ، وتنطلق من الثقافة المجتمعية ثم تقوم بتفكيك هذه الثقافة . ان اي محاولة من الكاتب للتعالي على حقيقة هذا التنوع الانساني الثقافي والاقتصادي ورؤية قيمة متساوية في كل هذا التنوع حتى وهو يشاهد متسولا في الشارع ، هو ما يستطيع ان يعطه عناصر الكتابة المكثفة ، الجادة ، والمؤثرة..

أمل الكردفاني - الراقصة اليابانية.. قصة قصيرة

- خلق الخوف من الموت أغلب الأساطير ولا يزال ، يبدو الموت كمطلق ، رغم أن هناك فرق بين الموت والألم ولكن الناس يقرنون بينهما ؛ الألم سابق على الموت فلا يكون إلا في الحياة ، أما الموت فهو ببساطة انطفاء الطاقة المحركة للفرد . لا ألم في الموت .. لا عذاب .. فقط تستغل الأديان مخاوف الناس من العدم لترسم لهم طريقا وراء ما تسميه بالبرزخ منذ كتاب الموتى للفراعنة كأقدم أسطورة عن ما بعد الموت. صحيح أن الناس تعشق الحياة وتخاف من العدم ، ولكنهم لو تأملوا الحياة لاكتشفوا أنها لا تختلف كثيرا عن العدم ؛ فلا توجد متعة كاملة في الحياة وهي ليست سوى حركة تأمل في بلوغ المطلق فليست الحياة سوى آمال تمنح سببا للإنسان كي يتحرك في دائرته المغلقة داخل النقاط المتدفقة للزمن . كل إنسان حتما سائر إلى العدم ، والجميع يدركون زوالهم ؛ شوبنهاور قضى جل عمره يناقش هذه الحقيقة السخيفة . ما الجديد فيها ولماذا نخشاها . لماذا نخشى الموت ؟!!! إن ما يجب أن نخشاه حقا هو الألم أي هذه الحياة فقط . أن نتألم ، جسديا ومعنويا ، أن تذل كرامتنا ، أن يهزمنا أعداؤنا ، أن نحتاج لمد أيدينا متسولين البشر اللئام ، أن تجرح مشاعرنا .... وهلم جرا من آلام الحياة .. لا تخشى الموت فهو لا شيء سوى عدم لطيف ، غياب رقيق ، اضمحلال الوجود . إنه الفرح الأخير .. لا تخشى من الموت ولا تصدق الأساطير .. وافرح به ..

 

- أنت تقول ذلك لأنك غير مؤمن ، يا صديقي دعنا نتحدث بإيجابية أكثر.

 

- ما أقوله هو الايجابية بعينها ، إنها تدفعنا إلى نبذ الخوف ، لننطلق في الحياة .

 

- ألم تسأم من الحياة؟

 

- لم أسأم .. مازلت في الأربعين من عمري وبقى لي عشرين عاماً سأظل أهرول خلف الأمل حتى أخر رمق لي .

 

- أشعر بالدوار .. الخمر جيدة هذه المرة ..

 

- المستقبل هو ما نخشاه وليس الحاضر.

 

- لقد سكرت.

 

- لم أسكر ..

 

- أنت تهذي .. إن هذا جنون .. الليل صامت .. والكتب كلها تدور في فلك واحد .. فوكو .. دريدا .. الجابري.. حتى الروايات تكاد تكون تكراراً لقصة واحدة .. لا شيء يمنح الدهشة ..

 

- حياتنا نفسها صارت تكراراً رغم رفض دولوز لهذه الكلمة .. إنها عواصف حقيقية تلك التي تتقاذفنا إلى أعلى وأسفل من القنوط إلى التفاؤل ..

 

- نحن نعيش في دولة دكتاتورية بكل ما تعنيه هذه الكلمة .. وفوق ذلك فهي دولة متخلفة في كل شيء .. لذلك من الحتمي أن يكون هذا هو وضعنا .. أن نكون منهارين كالدولة ..

 

- ألا يمكن أن يكون ذلك شماعة نعلق عليها أخطاءنا فقط .. أخطاؤنا في الحياة ؟

 

- ربما .. ولكنه عزاء مناسب ..

 

- هل تعرف أنني مندهش!!

 

- أنت محظوظ فلا شيء أصبح يمنحنا الدهشة ..

 

- مندهش من أننا في القرن الحادي والعشرين في عالم التكنولوجيا والحقوق والحريات والعولمة وغير ذلك ومع ذلك فهناك دكتاتوريات .. أليس هذا مدهشاً .. أن نعيش في دولة دكتاتورية ، تصرخ بتمجيد الزعيم المفدى والقائد البطل .. وتعلق صوره على كل مكان .. ولديه حزب يسيطر على كافة مقاليد السلطة .. ويستشري الفساد والحروب الأهلية . وكل مظاهر الدكتاتورية. إنني لا أكاد أصدق ..

 

- مدهش .. مدهش

 

- عصاة الكمان .. تجرح الأوتار كالسكين .. وراقصة يابانية .. ترفع راحتها في شكل منقار العصفور .. وتهدهد المهد .. ينسلخ النور .. تشحب الوجوه .. تمد الراقصة رجلا واحدة .. تحاكي لعبة القدر .. أتثاءب فاقدا نضج المجاملة .. أسترخي في مقعدي ولا تتداعى أي ذكريات .. ماتت المشاعر تماما .. وغطيطي صار مزعجا لرواد المسرح .. أصفق لرتابة الأحاسيس الطفولية عند البشر .. وأخرج وأنا أترنح كالسكران .. صرت كقضيب الحديد.. أزداد صدأ كل يوم .. روحي مثل جبل البركل ..تاريخية.. أقود الطريق ويقودني إحساس بالفشل .. أحاول أن أعبر شوارع النرجسية .. لكي أكون آدميا من جديد.. لكن الراقصة اليابانية فضحتني أمام ذاتي.. تفرد يديها الى الأمام وكأنها تصد ريحا هوجاء .. غمغمت وأنا مطأطئ الرأس أنظر إلى عربدة الطريق تحت أقدامي :(لقد انتهيت يافتى .. عليك أن تعترف .. لقد انتهيت) .. انتهيت .. انتهيت ..

 

عصا الكمان .. تجرح الأوتار كالسكين .. تماما ..كالسكين ..

 

- أنت مغمور يا الفاضل .. مغمور لتكتب مذكراتك .. أنت ككهف تحت المحيط فدع عنك محاولات التملص من بشريتك هذه .. ستظل بشراً ولن تفقد مشاعرك أبداً مهما كنت براغماتياً ..

 

- أنت تحب المغالطة والجدل .. أقسم بهذا الكأس إنني أشعر فقط بأنني لا أشعر .. قليلاً ما أشعر بالخوف فقط ، وهو خوف غير مبرر .. خوف من شيء ما..

 

- لقد تحولت علاقتنا من علاقة مريض بطبيبه إلى علاقة صداقة رغم

أنني مازلت أعتقد بأنك مريض نفسي أو مجنون .. دعني أقول مريض نفسي فأنت أعقل من أن تكون مجنوناً .. هل تناولت أدوية الفصام التي كتبتها لك؟

 

- هذا المرض المزمن واللعين .. نعم مازلت أتناولها .. تساعدني على النوم ..

 

- من المفترض أنها تفعل العكس .. لا أعرف .. إن الآثار الجانبية للأدوية النفسية مختلفة من شخص لآخر ..

 

- لكن أفضل آثارها الجانبية هي الضعف الجنسي ..

 

- غريب .. ألا يزعجك ذلك ؟

 

- على العكس تماماً .. إنني الآن فقدت عواطفي تجاه الأنثى تماماً .. الآن أنا عقلاني بالكامل.. يمكنني أن أدلف إلى الجحيم بقدمي اليمنى ..

 

- ماذا؟ الجحيم !!

 

- أقصد مع الكفار العقلانيين ..

 

- رغم أنني طبيب نفسي إلا أنني أنا نفسي أتناول هذه الأدوية .. القليل منها بالطبع فأنا أتناول السيبرام لعلاج الاكتئاب .. وبصراحة كانت الآثار الجانبية علاج لي من سرعة القذف .. رغم أن شهوة زوجتي قلت تدريجياً فهي مصابة بالسكر ..

 

- يمكنك الزواج بأخرى لتنجب ..

 

- لا أعرف فأنا أفضل هذا الهدوء .. بصراحة كان زواجي نفسه خطأ ولو أنها أنجبت لشعرت بفداحة هذا الخطأ .. أفكر كثيراً في الطلاق ولكنها امرأة فاضلة لم تمنحني سبباً لطلاقها ..

 

- صب لي كأساً .. أشكرك .. كنت جالساً في الصف الثالث من الخلف وكان المسرح مضاءً إضاءة خافتة ، وكانت الفرقة اليابانية تصدح بأشعار الهايكو .. إنها أشعار غريبة .. فهي تشعرك بأنها سطحية وعميقة في نفس الوقت .. ثم دخلت الراقصة اليابانية .. لم أعرف –ولا أزال حتى الآن – لا أعرف لماذا شعرت حينها بتمزق ذاتي إلى نصفين .. أو ربما أكثر .. شعرت بأنني حطام ..

 

- لن أعتبر هذا من ضمن إدلاء مريض لطبيبه ..

 

- لا لا تعتبره كذلك .. بصراحة أنتم الأطباء النفسيون لا تستمعون أبداً إلى مرضاكم بأريحية .. أنتم تهرولون خلف المرض وتلاحقون القصة التي تتناسب مع ما درستموه عن الأمراض النفسية..

 

- هذا إتهام صحيح إلى حد ما .. الطبيب الذي يستمع إلى مريضه غير موجود إلا في الأفلام .. إننا نلاحق العالم ما بعد الحداثة .. السرعة .. الدقة .. الغاية النهائية .. هناك مرضى يأتون إلينا وهم غير مستعدين أصلاً للكلام .. إننا نعاملهم كما تعامل جليسة الأطفال الطفل .. نلهث وراء معلومة صغيرة ، وفي كثير من الأحيان نؤسس روشتة الدواء على مجرد افتراضات سطحية ومظهر خارجي ..

 

- وتتقاضون ثمناً باهظاً ..

 

- واصل في قصة الراقصة اليابانية فهذا أفضل ..

 

- آه .. فجأة فقدت كل مشاعري .. هكذا فجأة كما يتوقف المطر .. سحابة إنسانيتي تبددت .. رأيت الماضي كله صفراً كبيراً .. ارتجفت قدماي .. وبلل العرق جسدي .. فوضى هاجت في عقلي .. وومض بريق أسود في عيني .. شعرت بالنعاس .. بل .. بل بالنعاس والإرهاق والتعب الشديد .. كان الناس من حولي يصفقون ويطلقون الصفافير وأنا أذوب كقطعة ثلج ..

 

- ربما تكون نوبة ذعر .. فلا شيء علمي في قصتك هذه ..

 

- لا أعرف ..

 

- عليك أن تثق فيَّ .

 

- كنت أتثاءب .. وانتهى العرض بسقوط الراقصة ميتة .. في التمثيل طبعاً .. وانطفأت المصابيح .. وانطفأ معها آخر شعور لي بآدميتي .. نسيت سيارتي ومشيت على قدمي .. وتمنيت أن تبتلعني الأرض .. ثم سقطت وغفوت .

 

- إنها تجربة مخيفة ..

 

- هي كذلك بالفعل .. ومع ذلك فقد تغيرت حياتي بعدها بالكامل .. لقد أصبحت عقلاً محضاً .. كروبوت .. خطواتي كالمعادلات الرياضية .. علاقاتي براغماتية .. لا حدود لصلابتها وتشرنقها حول الذات .. ذاتي العارفة .. المنفصلة عن الموجودات .. الوحيدة ، ولو كنت أحمل ذرة مشاعر لقلت المستوحشة .. ولكن لا .. فلازلت أشعر بالخوف .. تصور .. هل تصدق أن الخوف الذي كنت أمقته صار اليوم هو رابطي الوحيد ببشريتي .. إنه الآن نعمة ..

 

- وهل تصدق أنك تشترك مع مليارات البشر في استحواذ الخوف على مجرى حياتهم .. أنهم خائفون .. يعملون بجهد لأنهم خائفون ، يتزوجون لأنهم خائفون ، يتعاركون لأنهم خائفون ، يتحدثون لكسر الخوف ويصمتون عندما تنتابهم المخاوف .. لستَ وحيداً صدقني ..

 

- لكنهم يحملون مشاعر أخرى ..

 

- كلها يحركها الشعور الوحيد وهو الخوف .. كل ما حدث لك أنك استطعت تركيز شتات المشاعر البشرية في الفكرة الرئيسية وهي الخوف .. أنت الآن الأكثر عقلانية في العالم .

 

- لكنني لا أحب هذا الشعور .. إنه قاتل .. أريد أن أرجع بشرياً كما كنت .. حتى ولو عشت شتات مشاعري من جديد ..

 

- سيعود إليك الفصام والإكتئاب والوسواس القهري بقوة أكبر مما كانت عليه في السابق .. استمتع يا فتى .. استمتع بكونك عقلاً محضاً ..

 

- لكنني لا أشعر بالاستمتاع .. أنت لم تفهمني .. أنا لا أشعر بشيء سوى بالخوف ..

 

- سأصرخ الآن يا الفاضل بأعلى صوتي وليذهب النائمون إلى الجحيم .. أنت الآن سوبرمان .. سوبرمان .. لا أحد مثلك .. أنت صاحب العاهة المستديمة الوحيدة التي تجعلك أكثر قوة .. والخوف صدقني هو ليس أكثر من بقايا بشريتك .. استفد من عاهتك اللاشعورية هذه في تحقيق ما كنت تحلم به في السابق .. أدرك أنك فقدت أحلامك .. ولا أطالبك بأن تحلم من جديد ولكني فقط أطلب منك أن تستدعيها إلى الذاكرة .. أن تتذكر ماذا كانت أحلامك .. وأن تعمل على تحقيقها ..

 

- فكرة ممتازة .. ولكن .. ماذا كانت أحلامي .. الأحلام مشروعة ولكنها تظل أحلام ..

 

- يؤكد الجميع بأنها مجانية .. وأن هذا أجمل شيء فيها ..

 

- مجانية لأنها لا تعود على الفرد بالنفع ..

 

- يمكنها أن تتحقق..

 

- ما يتحقق ليس الأحلام بل الأماني ..

 

- هذا مفهوم شرطي .. إن القضية تعتمد على الحظ والقدر ..

 

- ليس حظاً أو قدراً إنما قرارات خاطئة وصائبة .. نحن نتاج قراراتنا .. سلباً وإيجاباً ..

 

- لقد أصبحتَ عقلاً بالفعل .. إنك تخيفني ..

 

- لقد انتهت زجاجتنا ..

 

- ولم نسكر بعد .. أين تعلمت اليابانية؟

 

- التقيت بكيم أثناء دراستي للغة الانجليزية ، وبدأت قصة صداقة .. علمتني اليابانية .. وفشلت في تعليمها العربية ..

 

- قصة حب؟

 

- رفضت .. كانت تجلس معي شبه عارية فطلبت منها أن نمارس الجنس لكنها أكدت لي بأنها تحب زوجها ..

 

-كانت متزوجة إذن ؟

 

- وكان زوجها غائباً .. كان يعمل في منظمة دولية وكان كثير التنقل..

 

- لو كنت فرويدياً لقلت بأن سبب إنهيار مشاعرك في المسرحية هو سبب امتناع كيم ورفضها لممارسة الجنس معك ..

 

- لا .. كانت مجرد صداقة .. رغم أنها كانت جميلة لكنني لم أفكر كثيراً في تطوير العلاقة أكثر من مجرد تسولي للجنس مرة واحدة ولم أكررها بعد ذلك ..

 

- أما أنا فإنني اختار الطريق الأسهل والمباشر .. زواج ..

 

- لقد اخترت مرة واحدة ..

 

- مرة واحدة وأخيرة .. ولكن دعني أصدقك القول فكل خياراتي في الحياة كانت الخيارات السهلة .. الانهزامية.. حتى ولو كانت مرهقة .. عملت في مهنة لا أحبها ولكنها متوفرة .. وتزوجت امرأة لم أحببها ولكنها كانت المتوفرة .. وهكذا حياتي .. أمضي في أقرب منعطف .. وأدخل أول مطعم ولا أفكر في الشارع الذي خلف منزلي .. وأعتقد أن أغلب الناس هكذا .. إن المجازفين هم رجال الأعمال .

 

- يا دكتور ؟

 

- هذه استشارة بما أنك ناديتني بالدكتور ..

 

- بالفعل .. إنني إنني أشعر بشعور غريب .. إنني أتقلب بين الفينة والأخرى بين التفاؤل والتشاؤم .. ولا أستقر على حال .. الخوف والارتياح ..

 

- أنت من النوع الذي لا يستجيب للأدوية بسهولة .. عليك بزيادة الجرعة ..

 

- هذه هي المرة الرابعة التي تزيد لي فيها الجرعة وكل النتيجة هي أنني فقدت مشاعري المختلفة ولم يتبق لي سوى هذا الشعور المسمى بالخوف ..

 

- ما هو الخوف الذي تشعر به؟

 

- كأنه صعقة كهرباء .. جسدي يرتعش وأشعر بأن العالم أضيق من خرم إبرة .. وأنه شديد الظلام .. وأنني وحيد .. بلا أمل في المستقبل ... تنهار الأحلام .. بطن قدمي يتشنج .. وأكتافي تصاب بالتنميل .. أشعر بأن الزمن سيفترسني .. لا أعرف هو خليط من كل هذا وأكثر..

 

- والأعداء ..

 

- لا أعرف .. أشعر بأن الكل عدو .. أو أنني يجب أن أنعزل عن العالم .. حانق أنا على هؤلاء الذين يتدخلون في حياتي كأنهم أوصياء ..

 

- تصلح معك أناركية باكونين ..

 

- بأكونين؟

 

- ثوري روسي أناركي عارض السلطة .. له مفاهيم تجاه الحرية الفردية ..

 

- بالفعل إن حريتي مقيدة .. في مجتمعنا اللاهوتي هذا ..

 

- حتى في العالم الحر توجد قيود .. الرأسمالية .. شركات الإعلام .. الجيوش .. حين تتحول الليبرالية إلى وحش .. فإنها تأكلك من قمة رأسك إلى أخمص قدميك ..

 

- والحل ..

 

- الحل هو أن تكون وحشاً وهذا ليس سهلا إنه برمجة كاملة للإنسان منذ نعومة أظافره ..

 

- لم أتربى على أن أكون وحشاً ..

 

- إذن ستعيش كفريسة .. وهذا ليس عيباً .. الأغلبية هي فريسة .. كلنا فرائس ..

 

- سئمت من الحياة ..

 

- إذن .. غادر ..

 

- هكذا بكل بساطة؟

 

- هكذا بكل بساطة .. سأتوقف عن الشرب الآن .. عقلي يدور .. إلى أين أنت ذاهب ..

 

- سأغادر ..

 

 

- إلى أين ؟

 

- إلى ما وراء الحياة ..

 

- هل أنت جاد ..

 

- نعم .. سئمت الأدوية .. والأناركية والاشتراكية والرأسمالية .. سئمت كل شيء..

 

- ألا يمكنك أن تمنح نفسك فرصة أخرى؟

 

- لا .. أنت قلت لي أن أغادر بكل بساطة .. وسأغادر بكل بساطة .. بدون تفكير طويل في الأمر ..

 

- حسنا .. لا أستطيع أن أقول لك إلى اللقاء ..

 

- لا أعرف .. فربما صدقت الأديان وتقابلنا يوماً ما ..

 

- صحيح .. امنحني شيئاً لأتذكرك به ..

 

- لن تنساني أبداً .. ولكن خذ ساعتي هذه ..

 

- إنها رمز للزمن ..

 

- حياتنا كلها رمز ..

 

- صحيح ..

 

- وداعاً ..

 

- وداعاً..

 

 

 

(تمت)

منهج النسبية-تقويض التاريخ الثقافي الانساني

منهج النسبية-تقويض التاريخ الثقافي الانساني

 

أمل الكردفاني

 

Relativity

النسبية هي أخطر سلاح في الصراع الثقافي الدولي. فهي منهج لتفكيك القيم والمفاهيم بعد ردها جميعا جنيالوجيا الى حالة الميوعة وعدم الاستقرار باستخدام ما انتج وما سينتج من ديالكتيك فلسفي حول هذه القيم او تلك المفاهيم. يمكن للثقافة التي تشعر بقرب هزيمتها ان تستند اليها تكتيكيا لتنقض بعدها على الثقافة المتعملقة فتقزمها الى حجمها الطبيعي قبل اخراجها من هالة التقديس المجتمعي او اللاهوتي او الآيدولوجي فتقف معها ندا كتفا بكتف.

والنسبية هي ايضا فوق كونها منهج تفكيكي فإنها اداة لتدعيم الدكتاتوريات والأنظمة القمعية وتثبيت السلطات المتنوعة والتي تسعى جميعها الى السيطرة على الآخر. ولذلك فهي سلاح ذو حدين. ليس هناك اسهل من توريط اي ثقافة عدوة في وحل النسبية ، وليس هناك أداة انجع من استخدام النسبية لتبرير التفوق رغم انها نفسها هي التي يمكن ان نستند اليها لنفي التفوق. وهذا يبين لنا بوضوح خطر هذا المنهج التفكيكي وضرورته. لا تستطيع جميع الآيدولوجيات والعقائد ان تتحصن من هجمة النسبية ولا تستطيع مقارعتها. فهي اولا تدخل كل مجادل في ما يشبه السفسطائية قبل ان تحدث داخله ذلك الارتباك والشك ، وبعدها تجهز عليه تماما.

ولكن السؤال: إذا كانت النسبية تنفي الحقيقة ، فهل هي ايضا -وبنفس المنهج- تنفي عن نفسها الحقيقة؟ في الواقع لا اعتقد ذلك ، لأن النسبية تتأسس على التشققات داخل النظريات وبالتالي فهي لا تعتبر اساسا نظرية خاضعة لتقييمها من حيث الصواب والخطأ أو الحقيقة واللا حقيقة ، انها فقط منهج كاشف للهزال المزمن الذي يصيب العقل الانساني ، ويعري فكرة تفوقه ، ويؤكد محدوديته ، كما انه منهج يقوض كل السرديات الكبرى ويهشمها تماما ، ويجعل الارضية التي يقف عليها الانسان تميد به ، وتفقده تلك الثقة التي حاولت الحداثة تأكيدها ، لذلك اعتقد ان النسبية منهج ما بعد حداثي ، بما أنه يقوض أحد مركزيات الحداثة وهو العقل. وأن هذا المنهج سيفضي بلا شك الى كبح جماح اي تطور (أخلاقي) وسيحيلنا مرة أخرى الى المادية والنفعية ، بعد هدم الاصنام التي قدستها الحداثة ، كالحرية والمساواة والعدل والاخلاق وحقوق الانسان. فهي ليست فقط سلاح تدمير شامل للمعتقدات بل سلاح تدمير شامل لكافة ما ظل يطرح نفسه كحقيقة. غير ان الشيء الايجابي في منهج النسبية انه يدفعنا كبشر لإعادة بناء علاقاتنا المختلفة وفي كل مساراتها على اسس أكثر واقعية وأبعد عن المثالية. وعلى هذا فإن اطروحات اليوتوبيا ستنهار وتختفي تماما. وسيتم تأسيس السلام الاجتماعي والانساني ككل على منطق مختلف. وهو حماية مصالحنا الفردية عبر حماية مصالحنا كجماعة وجدت قسرا فوق هذا الكوكب.

 

وعلى هذا فلن يسلم الأدب من التعرض لتأثيرات هذا المنهج ، خاصة وأنه يؤصل للنهايات المفتوحة وحالة التشظي ، والمتن القلق والمضطرب للنص الأدبي ، والسقوط في هوة هرمونيطقية شديدة الكلاحة والغموض. إن العصر الحالي سيكون عصر منهج النسبية على كافة المستويات السياسية والثقافية والأدبية...الخ.

أمل الكردفاني - ما نملكه.. اللغة العربية وصراع الهوية

حقيقة اللغة الانجليزية احدى أدوات السيطرة الثقافية ، للأسف الشعوب بدأت تقدم تنازلات في سبيل الحصول على المعرفة ، جراء الاحتكار الانجلو-امريكي للمعرفة . ربما في الدول العربية بشكل حاد جدا ، خاصة مع اشكالية نقل الهويات الى العالم الاول. فالاعلام الانجلو اميريكي اعلام متحيز ويعمد الى تهميش الآخر ، ويطلب من الآخر ان يأتي اليه معتمدا ما يقبله له من وسائل ومن ضمنها بل وأهمها اللغة. واذا كان الغرب غير الناطق بالانجليزية قد قدم تنازلات ليست بالقليلة الا انه ظل يقاوم السيطرة الانجليزية بشكل مستمر ، عبر محاولات تكاملية بين دول الغرب غير الناطق بالانجليزية وفيما بينها. الى حد ما لا تطرح اللغة الانجليزية نفسها لدى الغرب المغاير كلغة حاملة لتفوق حضاري ، وهذا ايجابي جدا ، ولكن اللغة الانجليزية في العالم العربي هي تعبير عن نصر ثقافي وحضاري على ثقافة مهزومة. وهذا يتم تعميقه بشكل مستمر عبر توسعة الفجوة المعرفية واحتكار الغرب للمعرفة بالاضافة طبعا الى الوسائل الاقل نعومة من ذلك. ما يبدو جليا ان العقل العربي قد وقع بالفعل في هذا الفخ السايكولوجي ، وحقيقة لا يتوقف الغرب ابدا عن ممارسة ضغوط متواصلة لتعزيز الشعور بالنقص عبر اللغة الانجليزية ، ومن ثم منح هذه اللغة اكبر من حجمها الطبيعي كأداة للتواصل ولكسر الاحتكار المعرفي. فهي فوق ذلك -وفقا للعقل الباطن العربي- تمنح الغرب الانجلو امريكي حق الوصاية الثقافية التوتاليتارية على العقل العربي ، بكل ما تعنيه كلمة ثقافة من حمولات تاريخية ودينية واخلاقية واعراف وتقاليد بل وتقييم صحة او خطأ السلوك والتفكير البشري. ان اللغة الانجليزية يتم طرحها كلغة مهيمنة على العقل العربي ليس فقط على نحو لساني بل كسلاح لهدم الهوية ، او تهميشها لتحقيق شعور مستمر بالهزيمة. وللأسف هذه الحرب لم تجد من يعيها من العرب ليواجهها عبر (أولا) الكشف عن وجودها أمام أعين الشعوب العربية ، و (ثانيا) عبر محاولة ردم الهوة المعرفية بين الدول العربية والغرب الانجلو امريكي. وهذا الشعور بهزيمة الهوية العربية لم يقف فقط عند حد العامة من الناس بل طال حتى النخب المثقفة والسياسية والرأسمالية بشكل مذهل جدا ، يمكن ان يبلغ حد اعلان الخضوع التام والتوقف عن اي مقاومة. ربما تؤدي الفلسفة النسبية الى الطعن في فكرة التمسك بالهوية كشيء وهمي القداسة لكن دعنا نقول ان القضية ليست منفصلة عن فكرة الحقوق ، فالخضوع التام للغة الانجليزية لا يعني اننا سنتمكن من تحقيق اندماج كامل مع حمولات اللغة الثقافية بل ولا حتى لدينا اي ضمانات بقبول الآخر لمحاولات اندماجنا معه. ما يترتب على رفض قبولنا من مصادرة للحقوق المترتبة على الخصوصية الهوياتية لنا. فلنلاحظ الى نموذج التغييب والتهميش الثقافي للغة العربية داخل المجتعات الاوروبية التي ما فتأت تفرض قيمها بشكل قسري على الجميع ، وخاصة اؤلئك الذين يحاولون الحفاظ على هويتهم داخل المجتمعات الاوروبية. مع ذلك يواجه هؤلاء الأخر استلابا واغتصابا كاملا لهذه الهويات ليس عبر السلطة الاجتماعية فقط بل حتى عبر سلطة القانون ومن ثم سلب ما ينبثق عن ذلك من حقوق ادبية. فالغرب لا يحاول الاقتراب من الآخر وانما يطلب من الآخر ان يقترب منه. وهذا شيء خطير جدا لأنه يطلب منا ان نقترب منه حسب المسارات التي يرسمها لنا هو ؛ واهمها مسار اللغة.

أمل الكردفاني - خطر الكتابة على اللامنتمي.. وخطر الأخير على العالم

لا شيء اكثر خطورة من الكتابة ؛ كلما كتبت تحليلا او رأيا فستتوقع عشرات من الاعداء ، وعشرات من التهديدات ، وعشرات من محاولات اغتيالك جسديا ومعنويا. وتزداد خطورة الكتابة حينما تقف فوق سماء الكرة الأرضية ؛ متنصلا من اي انتماءات وايدولوجيات وهويات ضيقة ، هنا سيكون قلمك قنبلة نووية ، تنسف ترهات هذه المفاهيم ، لأنك ستكون الاقدر على فحصها بعين مجهرية ذات عدسات شديدة النقاء. والنقاء هو عدو كل الايدولوجيات ؛ حيث لا تخلو فلسفة ما من التخالط والاشتباك والتناقضات والنقص. وفوق ذلك فإن النقاء يهدد المسلمات الانسانية ؛ مزعزعا ذلك الاستقرار اليقيني لها ، وحين تفعل ذلك ينتفض العامة قبل النخبة عن جهالة بنقص وعيوب مقدساتهم. وتنتفض النخبة التي تستمد حظوتها ومزاياها من استقرار العوام على جهالتهم ، ذلك ان النخبة في الواقع ليست اكثر من كاهنة قدس الاقداس والعوام هم حراس معبدها. لذلك ليس هناك ما هو اكثر خطرا من الكتابة على من يكتب ، لكن في الاتجاه الآخر فليس هناك اخطر على هذا العالم من الكتابة. لأن البيان الشيوعي الاول هو من قلب العالم ، وان كتابات كوبرنيكوس وقبله جاليليو وقبلهما ابن رشد وتدوين الانجيل هي التي رسمت قطيعة بين العوالم داخل سيرورة الزمن. لذلك فإذا كنت ترغب في تبني الكتابة فما عليك الا ان ترتدي كفنك بكل شجاعة ، ثم تقتحم تلك الصروح المقدسة لتبدأ في هدمها وكهانها وعبدتها على اثرك يلاحقونك باللعنات والسخط وربما بالسيف. في الحقيقة عليك الا تعتمد على الشعارات التي يتم تصديرها كحقائق مطلقة ، فكما انك على اطلاع بحقيقة وهم الحقيقة فإنك ايضا على وعي بوهم تلك الشعارات ؛ كالحديث عن حرية التعبير. فلا تصدق هذا الشعار الذي ينتهكه اول من يرفعه كسلاح ضد الآخر. لا تصدق ابدا أن هناك حرية تعبير ما دامت هناك مبادئ . سواء عقائدية او نظرية ، وما دامت هناك انظمة وسلطات اجتماعية وقانوية ، وما دام هناك صراع اقتصادي وثقافي ودموي مزمن. لا تصدق ذلك لأنك حين تشرع في صقل قلمك ستشرع في وجهك البنادق ، بنادق الدينيين وبنادق الملحدين.. بنادق الشيوعيين وبنادق الرأسماليين ، بنادق الدكتاتوريات وبنادق اشباه الديموقراطيات (التي تدعي الكمال كذبا) ، بنادق الفقراء وبنادق الاغنياء ، بنادق الذكوريين وبنادق النسويات ، بنادق في كل مكان مستعدة لأن ترديك بدم بارد بل وبارتياح شديد لتخلصها من بعبع قلمك. لا أحد في هذا العالم يحب ان تتفكك مسلماته أبدا ، لأن هذه المسلمات هي التي شكلت هويته ، لا يمكن ان تخبر البان افريكان او العروبيين او اصحاب نزعة الجنس الآري بأن ما يعتنقونه من خلاصة ونقاء الاثنيات مجرد وهم. لا يمكنك ان تطعن في كلاسيكية الفهم الماركسي ثم تترك قلمك دون ان تتوقع السكاكين الطائرة ، لا يمكنك ان تتحدث عن توتاليتارية الرأسمالية كوجه ديكتاتوري مخضب بالمكياج ، لا يمكنك ان تشكك في حقيقة مفردات تائهة المفاهيم ومع ذلك تعامل كآلهة مقدسة ، لا يمكنك ان تشكك في قيم الحداثة ومدى منطقيتها او اعتبارها آلية جديدة للامبريالية ، لا يمكن ان تفكك مصطلحات تم ترسيخها لاخفاء التشوهات الانسانية كمصطلحات العدالة والحرية والاخاء بل والاخلاق بشكل عام. عندما تقف فوق سماء الكرة الارضية ، محاولا اكتشاف الوجود ، بمادياته ومعنوياته ، فأنت اذن ستشكل خطرا على هذا الوجود. فمن قال لك بأن الوجود يريد اكتشاف ذاته. على العكس تماما ، فرغم اننا ادركنا ان القمر ليس اكثر من حجارة رمادية قبيحة ولكننا لا زلنا نصف به حبيباتنا.

أمل الكردفاني - يوم العمال.. الصراع والمثالية

ان اسوأ البشر هم اولئك الذين يزعمون ان من ضربك عل خدك الايسر فادر له خدك الايمن. ربما لم يفهم الكثيرون نيتشة حين طعن في تعاليم العهد الجديد التي تفضي الى انسان كاذب . لأنه يخالف طبيعته البشرية تلك التي تدعوه للصراع من اجل التفوق ، وتدعوه للفوز والانتصار وتجعله نافرا من الهزيمة...واذا كانت حياة الانسان تتمحور حول تكوين هوياته منذ الطفولة ، فليس ذلك لأن الهوية لها قيمة ذاتية بقدر ما تحقق له مصالح تبدأ من حماية ملكيته الخاصة ، وتحقيق امانه الاقتصادي والجسدي والجنسي ، وتجعله اكثر منعة في خوض الصراع من خلال جماعة لا بمجرد كونه فردا ، فانه لابد بل وحتما ولزاما ان تتعارض هويته مع الآخرين ، وان تتقاطع مصالحه ، بما في ذلك مبادءه وقناعاته مع مصالح ومبادئ وقناعات الآخرين. لقد قيل بأن هتلر لم تفارق ذهنه افكار نيتشة عن الانسان السوبر ، الانسان المتصالح مع طبيعته الحيوانية ومع واقعه الانساني. ان بعض نداءات الضعفاء والمتخاذلين بضرورة تبني الانسانية لبعض القيم لتحد من الصراع البشري ليست بريئة كل البراءة ولا حيادية بنزاهة ، فالواقع ان هؤلاء يحاولون الحفاظ على مصالحهم من خلال فرض قيم مثالية على العالم من حولهم. فالقضية تتعلق بايجاد وسائل تتفق وضعفهم تحميهم بطرح المثالية الاخلاقية كرسالة مقدسة او سردية كبرى ؛ والمدهش جدا ان هذه المثالية الاخلاقية (والتي سيختلف مفهومها حتما) ستتحول هي بذاتها الى اداة صراع انساني عالمي بدلا من ان تحقق سلاما منشودا. لأن كل شيء في نسقنا الحيواني يتحول الى مبرر لخوض صراع ايا كان شكل او طبيعة هذا الصراع. هذه النزعة سنجدها اكثر وضوحا حين يتفوق حضورها على اكذوبة الخد الايمن ، فعلى سبيل المثال ؛ حين قام احدهم باغتصاب وقتل طفلة ؛ خرجت الجماهير تنادي بتنفيذ الاعدام في ميدان عام. ان الجماهير تنشد الانتقام ولن تقتنع بفكرة العقوبات غير الوحشية او التي تمثل انتهاكا لكرامة المجرم ، رغم ان هذه الفكرة (المثالية جدا) تتعارض مع الطبيعة الانسانية التي يمكنها ان تتخلى عن المثالية في سبيل الشعور بالانتقام والتشفي. ولم يتوقف الامر على هذا ، فمحامي المتهم اعلن عن رفضه لاتخاذ اي موقف دفاعي عن موكله منتهكا بالتالي مبادئ المحاكمة العدالة ومنتهكا لواجبه القانوني حين جعل موقف موكله يزداد سوءا ، مع ذلك ظل هذا المحامي بطلا في نظر الجماهير الغاضبة ، فالمثالية المفرطة والتي نحاول تغييها لتحقيق السلام للضعفاء ، لن تقف امام انفجار الغريزة الحيواية عند الانسان. غريزة الصراع. فلنتناول القضية من زاوية اخرى ، زاوية اولئك الذين يزعمون تعرضهم للعنصرية ، ان تعرضهم للعنصرية لا يجعلهم فقط يرفضون العنصرية بشكل طوباوي بل على العكس ، حيث يتحول شعورهم بالعنصرية الى عنصرية مضادة. وهكذا تنعدم المثالية التي يخاطبون بها اعداءهم حيث يتحول الامر الى عنصرية وعنصرية مقابلة ، ان الانسان لا يستطيع ان يكون ملاكا لأن هذا ضد طبيعته ، ضد حقائق حياته ، ضد نزعاته الاحتكارية والاستحواذية ، ضد رغبته في التفوق. ورغم ان الانسان يخفي كل ذلك الا ان هناك لحظة ما سوف لن يتمكن حينها من تحمل ارتداء قناعه الرسولي هذا الى الأبد. الانسان الذي يرغب في تشكيل العالم على هويته ومفاهيمه ، دينية او فلسفية ، حتما لابد ان يتحلل من مثاليته ليتمكن من مواجهة الهويات والمفاهيم الاخرى . بل ان الانكى من ذلك ان هويته ومفاهيمه قد تتحول الى مبررات لقمع الاخر او حتى ابادته او السيطرة عليه او استغلاله او ابتزازه. فكما تبدأ المفاهيم دينية او فلسفية بمقدمات مثالية عالية الا انها لا تلبث ان تنقلب على مثلها الاولى وتتحول الى اداة قمع وتعزيز الملكية. ان انكار الصراع الانساني هو انكار كاذب ومضلل جدا ، وربما يدفع هذا الانكار الى التطرف اكثر من تحقيق السلام ، فحينما تصطدم المثالية المفرطة بحقائق الحياة قد يؤدي ذلك بالفرد الى كفره الدامغ بكل مثاليته السابقة وباجتماع هذا الكفر مع الحنق يتحول الى مجرم وارهابي ينتقم من هذا العالم الذي لا يتفق ومقياس المثل لديه ، مما يزيح العالم كله الى خانة العدو الضال الذي لابد من افنائه تماما. وهكذا يتحول الايمان بالمثل الى تعزيز الاقتناع بالعنف والدموية كحل نهائي لبشاعة هذا العالم. اما ان كان الانسان يؤمن بالصراع كحقيقة فإنه اولا سيتلقى الهزيمة بصدر رحب وقبلها سيعمل على تخفيف اسلحة الصراع ليقلل من خسائره بقدر الامكان ، وهذا ما حدث حين قام احد العلماء بنشر طريقة صنع القنبلة الذرية منعا لاحتكارها من قبل دولة واحدة مبررا فعله ذلك بأن انتشار السلاح النووي سيجعل جميع الاطراف اقل رغبة في استخدامه. وهذا ما حدث بالفعل... حين تم عقد اتفاقيات للحد من انتشار الاسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل لم يكن ذلك لأسباب اخلاقية مثالية بل لأن توازن القوى يفرض على هذه الدول تغيير ادوات صراعها بحيث تتفادى الخسارات الجسيمة. ان ايماننا بالصراع يعني اننا سنتمكن من وضع قواعد تضمن توازنات في ميزان القوة power والسيطرة والاكراه ، ان الصراع الذي يشجبه الكثيرون هو في الحقيقة المصدر الاساسي لما يطلق عليه العدالة ، فببحثنا الدؤوب عن اسلحة التفوق ، وبحث الاخرين ايضا عن ذات الامر ، ومن ثم تتكافأ القوى ، سوف نضطر الى وضع محاصصات اكثر تساويا من حيث الحقوق والواجبات. اما إن تبنى احد الاطراف المثالية وخاض الطرف الثاني الصراع ورجح ميزان القوة لهذا الاخير فلن يستقيم ميزان العدالة ابدا. لا يمكن ابدا ان يتساوى الرئيس او الملك بالمواطنين ولا صاحب العمل بالعمال ، ولا امريكا بالسودان . ان التوازن والتساوي يتم عندما تتساوى القوة بين اطراف الصراع. لقد ثار العمال في امريكا ضد شروط تعاقداتهم المجحفة ، ونالوا حقوقهم ، وكذلك فعل السود وكذلك فعلت النساء ، ولو قرر هؤلاء عدم خوض الصراع لظلوا يقبعون كالصراصير بين شقوق الجدران. فعندما يمتلك العمال القوة الموازية لقوة صاحب العمل سوف تصير عقود العمل اقل اجحافا واكثر توازنا بين حقوق والتزامات الطرفين. وهذا هو نفسه منطق كيفية صناعة القوانين والتشريعات.

أمل الكردفاني - موظف الحسابات.. قصة قصيرة

أخيرا استطعت أن أنتصر في معركة الدخول الى الحافلة ، المرأة التي خلفي الصقت صدرها بظهري وتنفست خلف اذني اليمنى تماما ؛ سخرت منها وانا اعلم بمثل هذه المكائد والشراك الانثوية ، الاغراء الذي يطلب منك تقديم تنازلات ، في الواقع درجة الحرارة كانت اثنتين وخمسين درجة مئوية ، لا احد في مثل هذا القيظ يتحمل التصاق ملابسه على جلده ناهيك عن التصاق جسد بشري به ، لقد لطمتها بكوعي على وجهها فتخلت عن التشبث بقميصي وترجلت عن باب الحافلة وهي تتألم ، هناك خمسة رجال يحيطون بي اثنان على جانبي الباب معلقان يتشبثان باطرافه وثلاث يدوسون على حذائي بقسوة ، اللكمات المتبادلة لم تتوقف بيننا ، وكلما اهتزت الحافلة تحت وطأة ثقلها وبسبب حفر الشارع ، كلما تلاكمنا زيادة ونحن نحاول التمسك بنسمة هواء حتى لا نطير خارج الحافلة ، الكمساري او المحصل شاب نحيل يربي شعره بطريقة كريستيانو لاعب كرة القدم ، يهز يده مكشكشا النقود المعدنية ، الجالسون فخورون بأنهم تمكنوا من ايجاد مقاعد ، رغم ان المقاعد ذات حديد صدئ يفتق الملابس ويطرها وكانت وسادات المقاعد نفسها ممزقة ، لكن رغم ذلك فهي نعمة كبيرة ، كانت الانفاس الساخنة ترقص في فضاء الحافلة ، لم اكن أرى شيئا فصحت بالكمساري:

- المجمع ... هل وصلنا؟ لكنه اكتفى بهز رأسه هزة خفيفة ، لم افهم معناها ، حاولت جمع انفاسي وكأنني سأغوص تحت المحيط ثم نطحت برأسي جهة اليمين فاخترق رأسي فاصلا بين رجلين وجزعت حين ادركت ان الحافلة تجاوزت المجمع فصحت: - يا بني ادم اوقف الحافلة لماذا لم تخبرني اننا تجاوزنا المجمع ، نظر لي باستهتار وصفر بفمه وبعد دقائق توقفت الحافلة ، نزلت منها واعدت تهذيب ملابسي ، ثم اخرجت كيس التنمباك وتناولت منه وجسدي يتفصد عرقا ، لم ابتعد كثيرا ، عشر دقائق واصل الى المجمع ، صفعت الشمس نافوخي ، ارتجفت قدماي قليلا حين احسست بسخونة الارض تتسرب الى باطن قدمي من بين نعل الحذاء ، والاتربة زادت الامر سوءا ، كيف سأسلي نفسي خلال هذه العشرة دقائق حتى اتناسى الحر ، فكرت في الغناء ثم عدلت عنه لأحصل على اجر وثواب وبدأت في قراءة سورة البقرة في سري. انني شديد التدين حينما اذهب الى مصلحة حكومية ، فمعونة الهية لقضاء حاجتي بيسر هي السلاح الوحيد في ظل الفوضى. الشمس افقدتني التركيز وحلقي كان جافا ، لكنني سعدت حين رأيت حشود الجماهير من بعيد وهي تعج بالنشاط دخولا وخروجا من المجمع ، نساء رجال مقعدين رجال شرطة ، ما اجمل هذا البلد ، ابتسمت ودلفت الى البوابة الكبيرة ، سألني شاب يرتدي ملابس عادية: الى اين يا شاب؟ اجبته: الحسابات لدي رسوم يجب ان اوردها اليوم. قال: الموظفون في الافطار عد الساعة الحادية عشر . درت على عقبي غير مكترث ببعض المواطنين الذين رفضوا العودة مطالبين بالدخول حيث ارتفعت الاصوات منذرة بشجار الا ان المواطنين وفي اللحظة الاخيرة شعروا بالخوف وخفت صوتهم متحولا الى استجداء ثم رأيتهم يعودون ورائي. لم يكن هناك ظل في الشارع ، رأيت بائعة شاي على ركن جدار قصي ، فتوجهت اليها وجلست طالبا كوب حرجل؛ ضحكت وقالت: انت حامل؟ نظرت الى وجهها النحيل الاسود واسنانها البيضاء ، وضحكت ؛ قلت : معدتي مريضة. قالت: طيب يا شاب .. ليس لدي حرجل ما رأيك في حلبة... رفضت عرضها وطلبت شيريا ، كانت البنابر وهي مقاعد صغيرة ممتلأة بالجالسين الذي ينتظرون عودة الموظفين من الافطار. نساء ورجال معاقين وشيوخ ، كانت هناك امرأة حامل ، بطنها منتفخة وهي تبصق بشكل ايقاعي مستمر على يمينها ، الشمس صفعت جبينها وتحول وجهها الى ظلال لم استبن ان كانت جميلة الوجه ام لا ، كنت اشعر بالخجل متصورا انني الوحيد الغارق في عرقه ، لكنني لاحظت تعرق البعض . سيارة بوكس دفع رباعي ضخمة (ولست خبيرا بالسيارات فربما لا تكون ذات دفع رباعي بل وانا اساسا لا اعرف معنى دفع رباعي) اقتحمت السيارة الضخمة الشارع دون اكتراث بالزحام منطلقة بسرعة كبيرة حتى اثارت الرغام من تحتها وتعفرت ملابس المواطنين ، صاح احدهم: سوق باحترام يا معلم .. لكن صوته لم يصل الى السائق فقد كانت سيارته قد اختفت. كنا نتوزع على الشارع في بنابرنا الصغيرة ، ودماؤنا تغلي من القيظ ، صاح احدهم: سيارة حكومية. لم اعرف ان كان يخبرنا ام يتساءل. غير ان رجلا ستيني قال: ارقامها عادية. قال الرجل: سلوك سائقها يدل على انها ملك لمسؤول.. انه قليل ادب. قفز صوت المرأة الحامل: وأين وجد الوقود مع هذه الأزمة... لقد خرجت من المنزل منذ السادسة صباحا ، ولم اجد مواصلات الا بصعوبة . قال الستيني: وهل هذا سؤال. عم الصمت ، ففي أماكن التجمعات ينتشر افراد الامن الذين يرتدون ملابس عادية ، ويختلطوا بالمواطنين ، ليقوموا بمراقبتهم عن كثب ، غالبا ما يكونوا من الشباب العشريني الذي ليس له مستقبل ، فمنحته الحكومة فرصة ان يكون بني آدم ولذلك يكون شديد الاخلاص أكثر حتى من رئيس الجمهورية. صمت الناس ولم يتداولوا الكثير حول السياسة ، ومرت الدقائق ببطء ، حتى الساعة الحادية عشر ، فتوجهت الحشود الى بوابة المجمع ، الا ان شابا آخر -ليس ذاك الأول- تلقاهم صائحا: لم يعودوا بعد من الافطار سنناديكم حين يعودوا.. لا تزحموا لنا المكان... تراجعت الحشود دون مقاومة ، وعادوا الى بائعة الشاي ، كان احدهم وهو اعرابي طويل القامة يرتدي جلبابا ابيضا وعمامة ، وقد انسالت العروق في رقبته ، كان قد جلس في مكاني ، فتخيرت مجلسا آخر. المرأة الحامل جرت بنبرها قرب ظل صغير برز من تحت الحائط وجلست فقفزت كرشها المنتفخة الى اعلى... تساءلت: الن يضايق ذلك الجنين في الداخل؟ لا زالت تبصق بايقاع منتظم على يمينها. هناك شابان يقفان ايضا ويدخنان ... وشخصيات اخرى عديدة لا اهمية لها .. في الواقع لا توجد اي شخصية لها اهمية في هذه القصة. قلت بغضب مفتعل: يفطرون لمدة ساعة... توقعت رد فعل الجماهير باستجابة ممتعضة لكنهم خذلوني وصمتوا. تداول بعضهم احاديث عن كرة القدم الاوروبية بشكل حماسي جدا ، ويبدو ان هذا الموضوع قد جذب الكثيرين الى المشاركة فيه. جاءت موجة من هواء ساخن لفحت وجوهنا ، وجلدتنا بذرات الغبار . كان علي ان اطلب شيئا لأشربه ، صحت: قهوة . سألتني: بدواؤ ام بدون دواء... قلت : زنجبيل فقط. مضت دقائق اخذت توزع البائعة المشاريب على الجموع ، واخيرا وبعد ان تجاهلتني طويلا جاءت ووضعت كوب القهوة . تركته قليلا امامي ، فالقهوة ككأس الخمر ، لا تشرب على عجل.. يجب ان يناديك فنجال القهوة هو بنفسه. لكنني حين رشفت منه اشتممت رائحة بلاستيك محروق وليس قهوة... انه بن رخيص ولولا الزنجبيل لكنت اشرب عجل سيارة محترق. مضت ساعة اخرى وتحركت الجموع نحو بوابة المجمع ؛ كنت في آخر الجموع ، وفوجئت بهم يعودون بوجوه مكفهرة ، سألت: ماذا حدث ، لم يجبني احد ، امسكت احدهم من كم قميصه ، فنفضه عن يدي وقال: ذهبوا لصلاة الظهر. عدنا الى بائعة الشاي ، كان ظل الجدار قد زاد قليلا فتوزع تحته الناس ، بعضهم فضل عدم الجلوس. وبعضهم ذهب لاداء الصلاة. بان وجه المرأة الحامل... ولم اجد فيه شيئا لا من الجمال ولا من القبح. غير ان بشرة وجهها كانت دهنية وهذا طبيعي لدى الحوامل. وضعت الصعوط على شفتي وجلست ، حرارة الأرض اخترقت نعل الحذاء فأخرجت قدمي ، لم اهتم للشراب المثقوب من ناحية صباع القدم الكبير. لا احد سيهتم اساسا بمثل هذه الاشياء التافهة . يمكنك ان تتغوط على ملابسك ولن يكترث بك احد. لا زالت الحامل تبصق متبعة ايقاعها المنتظم. ومرت الدقائق ، حينها سمعنا صياح شاب: لقد عاد الموظفون هيا الى الداخل.. من ليس لديه غرض لا يدخل .. سواء كنت صديقا ام رفيقا فلا تدخل ... اصحاب الغرض فقط يدخلون... دلفنا الى بوابة المجمع ، كنت وسط الجماهير ، وما ان لفحنا هواء المكيفات البارد حتى ارتفع الضجيج... بعض رجال الشرطة اخذوا يصيحون لتنظيم المواطنين في صفوف وطوابير ، وبعضهم تصيد المواطنين الذين بامكانهم دفع بعض النقود لتسهيل اجراءاتهم ، كنت أراهم وهم يدورون باوراق البعض بسرعة فيحصلوا على الاختام والتوقيعات من باقي الموظفين الذين لهم ايضا جزء من المعلوم . الا ان غرضي كان بسيطا وهو توريد رسوم في النافذة المخصصة لذلك ، وقفت في الصف وامامي قرابة ثلاثين شخصا. الا ان موظف الحسابات لم يحضر بعد . مرت ربع ساعة وبدأت الجموع في التذمر... صاح الاعرابي معرورق الرقبة بغضب: اين بتاع الحسابات... جاءه صوت موظف الحاسابات وهو يحمل كوب شاي غاضبا: لماذا تصرخ.. الا يمكنك ان تتحمل دقيقة. صاح الاعرابي بصوت جهور: تحملنا ثلاث ساعات الا يكفي هذا. بادله الموظف الصياح: لا لا يكفي .. هل انا اعمل في بيت ابوك. اتسعت عينا الاعرابي وصاح: وتأتي بسيرة ابي على لسانك... صاح الموظف: سيرة ابيك وسيرة جميع اهلك .. ماذا ستفعل... جاء شرطي يتبختر كالطاؤوس وقال من بين فتحتي منخاره: انت تعتدي على موظف عام ... صاح احد الرجال: بلا موظف عام بلا كلام فارغ... هذا الموظف فضلا عن تسيبه فهو غير محترم... استلمت المرأة الحامل الحديث وهي تصيح: لماذا تعاملون المواطنين بهذا الشكل الا يكفي ما تفعله الحكومة بنا من فقر وظلم ... ولكن لكم الحق في ان تفعلوا بنا اكثر من ذلك فالبلد لم يعد فيها رجال.... التفت اليها الرجال بغضب وضحك الشباب ، صاع الرجال: هذا الكلام عيب يا استاذة... كيف لا يوجد رجال..ومن نحن السنا رجال... صاحت مصرة على رأيها : لو كنتم رجال لما فعلت الحكومة بنا ما فعلت ... هذا الموظف الحكومي قليل الادب خير مثال على ذلك... انهم يحتقروننا... تسرب الشرطي خلسة وهمس: بوادر تمرد...

صاح الرجال: هذا موظف قليل الادب ..سوف نلقنه درسا. رفع الاعرابي عمامته والقاها بعيدا ثم امسك بتلابيب الموظف وجره من خلف النافذة ... ساد الهرج والمرج ... وبدأت اللكمات تتتالى على الموظف ، صرخ: تعتدون على موظف رسمي ... اتركوني.. اين الشرطة .. اين الامن... قالت المرأة... لستم رجال ان لم تفعلوها به.... تراجعت الى الخلف ... وتزايدت حشود الجماهير محيطة بالموظف .. ورأيت بنطال الموظف يطير من ورائهم... سمعت صراخه المرعوب.... وسمعت صوت المرأة الحامل وهي تقول: افعلوها به ... يا ليتني كنت امتلك ما تمتلكون لما ترددت في ذلك...

حاول باقي الموظفين انقاذ زميلهم .. ووقف رجال الشرطة دون حراك خارج البوابة ... رأيت قميص الموظف يطير والهرج والمرج يغطي صرخاته المرعوبة....

هرولت الى الخارج ، ورأيت ثلاث سيارات للجيش تقف محملة بالجنود ، ظلوا واقفين دون حراك ولكن اسلحتهم جاهزة... اما رجال الشرطة فقد اختفوا تماما ... سمعت صراخ الموظف وبكائه الحار... وصوت المرأة الحامل وهي تصيح: ايوة.. اعملوها فيه.. ربيب الحكومة الصعلوق...

نظرت الى الجنود وقلت لضابط شاب حليق اللحية: ألن تتدخلوا .. انهم يغتصبون الموظف....

تجاهلني ورفع هاتفه اللاسلكي قائلا: لا شيء .. الامن مستتب ... سيفرغوا غضبهم في الموظف ويعودوا الى هدوئهم من جديد يا سعادتو.... نعم لن نتدخل بحسب اوامركم يا سعادتو.... لا لن نسمح لهم بتصعيد الامر ...

مضت دقائق وبدأ الضجيج ينخفض وسمعت زغرودو المرأة الحامل... دلفت الى الداخل ووجدت الرجال وقد عادوا للانتظام في صفوفهم..... ؛ كان الموظف جالسا خلف النافذة وهو يبكي دون ان يتوقف عن تسيير امور المواطنين.... وكانت الحامل في مقدمة الصف.... صاحت: حكومة بنت كلب....

 

كانت الارض متسخة بالسوائل... والرائحة عفنة... لكنني انتظرت في الصف .. بهدوء شديد.... كان التكييف يصدر برودة رائعة .. وكان الجميع هادئين ... كانوا في الواقع راضين تماما عن واقعهم.

أمل الكردفاني - العامية والفصحى .. تمييز غير مبرر

ما اود ان اشير اليه هنا الى خدعة التمييز بين اللغة العامية واللغة الفصحى. حيث لا اجد اي طرح منطقي يفسر هذا التمييز. اذا كانت اللغة في كل الاحوال ليست اكثر من مواضعات مجتمعية لدوال ومدلولات ، فإن التمييز الذي اراه شديد النخبوية او الطبقية لا معنى له في الحقيقة. يعتقد من يميز بينهما ان العامية لغة بلا قواعد ولا نسق ينظمها ، وهذا واضح البطلان ، ليس فقط لأن انعدام النسق يفقد اللغة غايتها الاساسية وهي التواصل والتفاهم ، ولكن لأن هناك دليل بسيط جدا على ان كسر هذا النسق يتم ملاحظته بشدة من قبل الافراد. فعلى سبيل المثال ؛ اللغة العربية الفصحى ، والتي تعتبر اداة المخاطبات الرسمية في السودان ، انبثقت عنها لغة عامية (مع تحفظي على وصف عامية) ، انفصلت العامية عن الفصحى بمواضعات اجتماعية وكونت لها ذخيرة من المفردات المستقلة عن الفصحى ، كما احيطت بنسق يعطها قبولها لدى الناس ، ويمكنها من تسهيل التواصل بينهم عبر تسهيل التفاهم. هناك في السودان قبائل غير عربية ، لها لغتها الخاصة ، لم تتمكن من محاكاة النسق الخاص بالعامية ، فكسرت هذا النسق وظهرت لغة عربي جوبا ، وهي لغة انبثقت هي بدورها عن العامية السودانية وانتشرت في مناطق الجنوب (دولة جنوب السودان الحالية) ، عربي جوبا كلغة ايضا انفصل عن العامية السودانية واتخذ لنفسه نسقا خاصا به ، ويؤدي كسر هذا النسق الذي تكون (من خلال الممارسة والمواضعات) ، الى تمييز لغوي جديد . اذا كانت اللغات ليست اكثر من عمليات توالد مستمرة من بعضها البعض ، واذا كانت كل لغة تتشكل كمنظومة وتتمتع بنسق ، فهذا يمنح هذه اللغة ذاتية تفصلها عن الرحم الذي ولدت منه. لذلك فلا معنى للتمييز بين عامية وفصحى ، فالفصحى الحديثة هي ايضا عامية لفصحى اكثر تأخرا منها ، ربما تكون اللغة الانجليزية هي عامية اللغة اللاتينية ، واللغة العربية هي عامية اللغة السريانية ، وهكذا. هذا اذا اعتبرنا بالتأكيد ان كلمة عامي لها معنى استعلائي ، لكن في الواقع فاللغة العامية هي اساسا لغة فصحى مستقلة ما دامت قد تجاوزت حالة الفوضى والعشوائية ورسخت كمواضعة مجتمعية. بل وحصلت على قداستها التي تجعل كسرها من قبل من لا يجيدها أمرا مثيرا للسخرية. ونحن مثلا عندما نتحدث -وفق هذا المنظور- عن تساوي الفصحى والعامية هادمين التمييز الصفوي بينهما ، لا نستطيع ان نعتمد على معيار حسابي ، فحجم من يتداولون اللغة لا يؤدي الى اعتبارها فصحى او عامية ، فبالرغم من ان اللغة العربية هي لغة تتوفر -باختلاف الدرجة- في اثنين وعشرين دولة ، وان الخطاب الرسمي بين هذه الدول غالبا ما يتم بينها ، الا ان هذا المعيار الكمي لا علاقة له بتصنيف اللغة الى فصحى او غير فصحى. فاللغة فصحى دائما ما دامت تفصح عن المدلولات لدى جماعة معينة حتى ولو لم يتجاوز افراد هذه الجماعة عدد اصابع اليد الواحدة. نلاحظ هذا الامر في لغة اطفال الشوارع عندنا والتي تسمى (الراندوك) ، فهي لغة لها ذاتيتها ومن ثم احترامها ، ما دامت قد حصلت على قبول هذه الفئة كوسيلة للتعبير عن فكرهم ايا كان سقف هذا الفكر. وبالتالي هي لغة فصحى بمعنى انها تفصح عن هذا الفكر بشكل منطقي ومقبول وسلس بين افراد هذه الجماعة.

أمل الكردفاني - هل الفنان مجنون؟.. رؤية تأملية فقط

هل المبدع مجنون؟ وكما يقولون الفنون جنون. هذا سؤال يحيلنا الى قضية شائكة جدا وهي معيار العقلانية ومعيار الجنون. ما هو المقياس القياسي الذي يمكن ان نميز به بين الجنون واللا جنون. فلنتفق على ان نشاطنا المادي او الفكري هو ما يتم على اساسه تقييمنا كعقلاء او كمجانين. ولا اتحدث هنا عن الجنون المطبق ، ذلك الذي لا جدال حوله. وانما على تلك الدرجة التي تفصل بين العقلانية واللا عقلانية. في الواقع ان الجماعة هي التي غالبا ما تميل الى نفي العقلانية عن كل نشاط لا يتفق مع قواعدها الراسخة... لذلك ليس من الغريب ان تعتبر الجماعة شخصا ما مجنونا ان ادعى تلقيه رسالة من الله. هذا اذا كانت مبادئ هذه الجماعة مبادئ مادية. وعلى العكس ، قد يكون ادعاء النبوة امرا طبيعيا جدا لدى مجتمعات اخرى ؛ فبالرغم مما يشاع عن الكم الهائل للاديان في الهند الا ان افريقيا تعج بالعديد من الانبياء والرسل ، او من يعتبرون انفسهم على اتصال بالقوى السماوية وارواح الاسلاف وخلافه. واذا كانت الجماعة هي التي تحدد ما هو عقلاني وما يدخل في اطار الجنون ، فإن هذا يحيلنا مباشرة الى نسبية الجنون. فلنتابع هذا الحوار الطريف المتخيل بين مجنونين:

- الحذاء طار قبل السياسيين.. انا افهم هذا.

- اعتمد علي.. فالسمكة بداية ومشوية.

 

نلاحظ في هذا الحوار والذي يبدو كعبثية صمويل بيكيت واقرب الى ما يسمى بالشعر الحداثوي ، نلاحظ ان هناك مجنونان يتحاوران. نعم .. فليس غريبا ان نشاهد ونسمع مجنونين يتحدثان الى بعضهما. كما هو الحال عندما نسمع طفلين يتحدثان الى بعضهما بجمل غير مفهومة ومع ذلك يتواصل حوارهما على نحو مشوق جدا. الم يستوقفك من قبل مجنون ليحاورك... تتحدث اليه بمنطق ثم تكتشف انه في عالم آخر. حدث هذا معي شخصيا. يصمت المجنون حين تتحدث وكأنه يفهم كلامك .. غير ان ما يحدث هو ان دماغه يستقبل كلماتك بشكل مختلف عن استقبالك انت لكلمات الاخرين. فكلمة منزل تتحول لسمكة.. وكلمة طار تتحول لنافذة ... وهكذا... ولذلك لو تم وضعك مع مجموعة مجانين فستتحول انت الى مجنون وليسوا هم.. فهم من سيضعوا معايير التحاور والتفاهم بينهم. ربما ليس هذا تسطيحا لأمراض الدماغ شديدة التعقيد بقدر ما هو محاولة لتبسيط قدرتنا على تخيل نسبية العقلانية. فاذا اقررنا هذه النسبية ، فمن الطبيعي يوما ما ان ينعتك الاخرون بالجنون ، ومن الطبيعي ان نعتبر الشعر الحداثوي جنونا مفارقا للعقلانية ، ومن الطبيعي ايضا ان يكون الفن جنونا عند البعض. لكن اذا حاولنا التعمق اكثر في مسألة ما اذا كان المبدع مجنونا ام لا ؛ فسنجد ما يدهشنا حقا ؛ فالمبدع او الفنان عموما لديه استقبال دماغي اعلى للمعطيات الكونية. فإذا كان الانسان العادي يتلقى الزهرة باعتبارها نبات ملون ذو رائحة . فإن المبدع لا يتلقاها على ذات المستوى. فالزهرة عنده تعني اشياء كثيرة ، فقد تعني الحب ، الانفتاح ، الحرية ، التأقيت والفناء الحياة ، روح الله او السماء ، او القبلة ..الخ. ان الفنان لا يستقبل الاشياء كما نستقبلها نحن العاديين ، فهو يمتلك حساسية زائدة ، وهذا يعني ان الفنان يتمتع بوعي اكبر بالوجود من الشخص العادي. وهذا ما قد يقلب المعادلة رأسا على عقب. فالانسان غير الفنان هو في الواقع لديه افتقار في الوعي. والافتقار في الوعي قد يعني الجنون. او درجة من درجات الجنون. لأن النقص سلبي والزيادة ايجابية دائما. واذا كانت كلمة جنون كلمة سلبية المفهوم فلا يمكن ان نطلقها على الفنان الأعلى وعيا من الشخص العادي وانما العكس. او هكذا احسب.

أمل الكردفاني - أداة الكتابة وتأثيرها النفسي

استمعت للقاء مع احد المفكرين على اليوتيوب ؛ قال بأنه حتى الآن لا يملك لاب توب . وأنه لا يزال يكتب بآلة كاتبة تقليدية. ليس لأنه ضد التكنولوجيا ولكن لأنه لا يستطيع التأقلم معها. اعتقد انه فقط لم يجرب . وربما مع قليل من التجربة و الاستمرارية كان سيتأقلم معها وربما لا يتمكن من الاستغناء عنها بعد ذلك. لكن المهم في الأمر هو ان التكنولوجيا غيرت تماما من عالم الكتابة... وخاصة التأثير النفسي ، واقصد بذلك تداعيات الكتابة من الدماغ الى الحامل الالكتروني. انا شخصيا لم استخدم ورقة وقلم منذ سنوات ، بل وفوق هذا لم اعد اكتب على اللاب توب بل فقط على الهاتف المحمول. رغم ان امكانيات الهاتف المحمول اضعف ورغم ان الضغط على الحروف الصغيرة قد ينتج اخطاء مثل عدم كتابة همزة الوصل والاستغناء عن ذلك التشدد الاملائي ، بحيث صار هناك اهتمام بالتواصل اكبر من الاهتمام بتقديس القانون اللغوي. لقد انتجت التكنولوجيا في الواقع لغتها الخاصة ، ثم انتجت الاجيال الشابة لغة من داخل لغة التكنولوجيا ، عند بداية تعاملي مع الانترنت وجدت حوارات كثيرة تدور بين الشباب العربي بلغة كانت شديدة الصعوبة وربما لا زالت. حيث يقومون باستخدام الاحرف اللاتينية والارقام للحديث باللغة العربية ؛ فحرف الحاء مثلا يتحول الى رقم 7 ؛ وهكذا تجد نفسك امام نص عجيب هو خليط من ارقام وحروف لا رابط بينها سوى تلك المواضعة الجماعية بين الشباب على مدلولاتها. العلامة المرئية فقدت صرامتها التقليدية وصارت قابلة للتحور متى ما اردنا ذلك فالحاء ليس بالضرورة ان يظل متمتعا برسمه التاريخي ، وليصبح الرقم 7 . أين المشكلة في ذلك؟ طرحت هذا السؤال على نفسي مرارا وتكرارا بعد ان شاهدت كتابات الشباب الصغار على وسائل التواصل الاجتماعي. بعضهم اخبرني انه لا يستطيع الكتابة الا بهذه الطريقة لاعتياده عليها. وهذا ما اصبح يؤثر فينا جميعا بشكل ما ؛ انه تأثير نفسي ، وأضيف الى ذلك انه بات يؤثر على التداعي الابداعي في الكتابة. ربما لا اكون الشخص الوحيد الذي يتعطل عقله عندما يحمل قلما وأمامه ورقة بيضاء ؛ في حين تتدفق الافكار من دماغي حينما احمل جوالي واضغط على ازرار الحروف الضوئية. فأداة الكتابة تؤثر حقيقة على الفكر. الميل الى الكتابة نفسه اصبح اكبر بفضل التكنولوجيا. ان الناس الآن يمارسون الكتابة بشكل مكثف جدا ، خاصة عبر الحوارات في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. وهذا ما احدث نقلة كبيرة في ميول الافراد ؛ ففيما كان حمل قلم وورقة ثم الكتابة شيء ممل جدا بالنسبة لهم ، صارت الكتابة اليوم امرا حتميا والزاميا عليهم كل يوم. منذ الصباح ستستقبل رسالة من احد اقاربك او اصدقائك وسترد عليها كتابة ايضا. ستدخل لتكتب تعليقا على الفيس او الواتس او تويتر ، ولذلك تحسنت الكتابة بشكل ملحوظ وازدادت الرغبة في ممارستها بشكل محترف. ارتفعت معدلات الكتابة الادبية بشكل ملحوظ منذ ظهور الحاسوب ، ففي السابق كنا نكتب على الورق وننفق مئات الجنيهات لنقل ما على الورق بشكل رسمي جدا عبر الالة الكاتبة. اليوم لا يخلو منزل من لاب توب وطابعة ليزر ، بل وصار النشر الالكتروني سهل جدا مما اظهر ابداعات كتاب ما كانوا ليظهروا الى النور لولا هذه التكنولوجيا. صار هناك من تشتهر كتاباتهم ومقالاتهم وتغريداتهم ومنشوراتهن المكتوبة ، وارتفعت معدلات النقاش المكتوب والنقد والنقد المضاد ونقد النقد للكثير من الاطروحات والنظريات الأدبية و الفلسفية والعقائد والعلوم. ان اداة الكتابة الحديثة حقا رفعت مستوى الاستعداد النفسي للافراد لكي يكتبوا. صاروا يكتبون باللغة الفصحى او العامية ، بالحروف العربية او اللاتينية ، بالشكل التقليدي او بالخلط بين كل علامة وأخرى. المهم انهم يكتبون بشغف وبدون توقف. قبل الحاسوب كانت الكتابة وظيفة ؛ بل وظيفة شديدة الملل ، كانت تندرج ضمن الاعمال المكتبية ، وكان من يمارسونها موظفون بائسون تحيط بطاولاتهم الارواق والاقلام والمحابر واصباغ محو الحبر ، والصمغ والمقصات ...الخ. كل هذا انتهى اليوم. يمكنك ان ترسل طلبك لمديرك في العمل من جوالك بكل سهولة وتتلقى الرد بكل سهولة. يمكنك ان تنشيء صفحتك الخاصة على الفيس او مدونتك او موقعك على الانترنت لتمارس الكتابة (شعرا ورواية وقصة وسياسة ورياضة ..الخ) . فالتأثير النفسي لأداة الكتابة كان عظيما جدا على الافراد ، ويمكننا ان نسمي عصرنا هذا بعصر الكتابة بكل تأكيد.

أمل الكردفاني - هل تؤثر طبيعة اللغة على القدرة على التعلم؟

ان قضية اللغة تشغلني جدا رغم انني لست متخصصا فيها ؛ لكن حتى دراسة القانون تطرح لنا اشكاليات عميقة في اللغة. وهي اشكاليات تتفوق على ما تطرحه فلسفة اللغة المحضة نفسها ؛ لأن القانون ليس فقط نصوص لغوية تستخدم كتعبير عن تطلعات طبقة او نخبة مثقفة بل هو ايقاع عملي تطبيقي على الحياة ، بحيث قد يترتب على العقدة اللغوية اعدام انسان او براءته ، او امتلاء ذمة انسان المالية او افتقارها واعسارها. إن القانوني ربما يواجه اشكاليات حقيقية في اللغة اكثر من اللغوي الذي يناقش اللغة بشكل تجريدي او نظري . وبالعودة الى التساؤلات العديدة التي تطرح نفسها في ذهني ؛ فالسؤال الذي سأحاول ان اناقشه هنا هو ما اذا كانت صعوبة او بساطة اللغة تؤثر في قدرة استيعاب الانسان للعلوم المختلفة انسانية أو طبيعية. فقد لاحظت مثلا ان هناك معاناة كبيرة لدى القانونيين عند كتابة المذكرات القانونية لغويا ؛ والاشكالية ليست فقط في فهم قواعد اللغة النحوية او الاملائية ، بل حتى في بناء الجملة لتشكل سياق قادر على التعبير عما يدور في خلد الكاتب. لماذا تبدو اللغة العربية شديدة التعقيد هكذا ، وهل لو كانت اقل تعقيدا مما هي عليه لكان بامكان هؤلاء الذين يعانون اليوم في التعبير عما في ادمغتهم من تجاوز هذه المحنة؟ لاحظت ان الكثير من الناس لديهم القدرة على الكتابة باللغة الدارجة ، وسائل التواصل الاجتماعي تضج بالمقالات المكتوبة بالدارجة ، حتى الويكيبيديا لم تسلم من شرح المواضيع بالتجاوز للغة الفصحى. هل تبدو الدارجة -التي تخلصت من التعقيدات اللغوية - اكثر تأثيرا على امكانية تلقي الفرد للمعلومة. فلنلاحظ ان الكثير من الناس لا يستوعبون البرامج التعليمية او الدينية الا ان كان الخطاب فيها باللغة الدارجة . تخيل ان يدخل استاذ الى طلبة في الصف الاول ويخاطبهم باللغة العربية الفصحى. لذلك فمسألة صعوبة اللغة في نظري تلعب دورا كبيرا في تشتيت انتباه المتعلم. ولكن اين تكمن صعوبة اللغة العربية؟ اللغة العربية من اصعب اللغات ، فهي لا تترك شاردة ولا واردة الا وتبنتها داخل قاعدة من قواعدها... فمخاطبة الانثى تختلف عن الذكر ومخاطبة الفرد تختلف عن المثنى والجماعة ، ..الخ . ربما نلاحظ أن اللغة الانجليزية على سبيل المثال تحللت من محاولات التصنيف والتمييز اللغوي ، واتذكر ان مجموعة من اللغويين الفرنسيين طالبوا بالغاء التمييز اللغوي على اساس الجنس. لكن هل هذا يعني أن على اللغويين العرب وعلى مجامع اللغة العربية ان تبدأ في عملية التخفف من اشتراطات اللغة المختلفة مكتفية بالفهم العام لسياقات الجمل. هل تؤدي تعقيدات اللغة الى قدرة اكبر على التعبير لمن يمتلكون ناصية اللغة؟ ومن ثم فعلينا ان نلقي وراء اظهرنا مسألة تخفيف اللغة من اثقالها. وكيف نوازن بين تماسك اللغة وبين طموحات التبشير بها عالميا . لقد التقيت بطلبة من انحاء العالم المختلفة ابان فترة الدراسات العليا ، وكانت اللغة العربية تمثل لهم هاجسا وجبلا صلدا لم يقدروا على هده. كان بعضهم يطلب مني مراجعة بحثه ، وكنت اجد جملا مفهومة من سياقها الا انها -وبحسب ما اعتدنا عليه- تعتبر ركيكة جدا- يمكنني أن افهم ما يقصده الكاتب ومع ذلك لا استطيع ان اخفي استهجاني من الركاكة. طبعا استهجان ركاكة اللغة هو مسألة ثقافية ولكنها نفسية اكثر من كونها ثقافية، انها شعور متوهم يقترب من فكرة القومية والوطنية والانتماء لفريق كرة قدم. هي هنا تمثل هوية ويمثل انتهاكها انتهاكا للهوية ؛ وبعد كل هذه السنوات ، اعتقد انني تراجعت عن فكرة الحفاظ على شرف وطهارة اللغة وجعل قواعدها وسياقاتها بكارة لا يجب ان تفض ابدا من قبل الآخرين. واذ كنت دائما ما اعمل على تصويب من يخطؤون الا انني اليوم لم اعد انظر الى اللغة الا من جانبها الاداتي باعتبار وظيفتها في تحقيق التواصل. واعتقد ايضا ان التخلص من تحول اللغة الى ايدولوجيا سيعيننا كثيرا على محاولة استقطاع الكثير من المحسنات التي لا فائدة منها الا على مستوى الأدب النخبوي. وهذا بالفعل هو ما حدث لجميع اللغات عبر العصور ، فلغة قصائد الشعر الجاهلي ليست مماثلة للغة العصر العباسي ، ولغتنا اليوم ليست هي نفسها لغة الامن ولغة شكسبير ليست لغة توني بلير اليوم... إن اللغة في الواقع تتخفف من ارديتها الشتوية غير المناسبة لفصول الانفتاح المعرفي عبر العولمة. لكن دعوتي هذه ليست محسومة بالنسبة لي كعقيدة بل هي مجرد عصف ذهني ، قد يقابله الليبراليون بترحاب وقد يرفع له حراس المعبد السيوف...وفي كل الاحوال ، فان اللغة وجدت من اجل الانسان ولم يوجد الانسان من اجل اللغة... وهذا ما يجب ان نضعه دائما في الحسبان.

 

عن الكاتب

أمل الكردفاني - الكمال لله .. هل هذه الجملة جائزة فلسفيا؟

كثيرا ما يتم استدراك جملة الكمال لله عند وصف أمر دنيوي بالكمال. وهي جملة صارت شائعة المقصود منها طبعا التنزيه والتعظيم للذات الالهية. بالتأكيد نستطيع ان نتقبل هذه الجمال بهذا السياق الذي لا يتفق والجدل الفلسفي الذي اثارته هذه الجملة منذ ارسطو وحتى اليوم ؛ فجملة الكمال لله ليست كلمة تفهم بهذا المعنى السطحي والذي يعتمد على حدس العامة ، وانما يجب ان نبحث عن فلسفة هذه الكلمة. وفي البدء اورد التعريف اللغوي لهذه الكلمة والتي مصدرها كلمة (كمل): حيث جاء في المختصر:

 

(كمَلَ يَكمُل ، كمالاً وكُمُولاً ، فهو كامِل . كَمَلَ الشيءُ : تمَّت أَجزاؤه أَو صفاتُه فصار كاملا ًكَمَل الشهرُ : تمَّ دورُهُ......).

اما في اللغة الانجليزية perfection فقد استمدت من الكلمة اللاتينية perfectio وهي التي تشير الى الانتهاء to finish او النهاية to an end . ان كلمة الكمال اذن تشير الى تمام العناصر المكونة للشيء ، كما تشير الى التناهي ، وهذا ما اثار جدلا واسعا لدى الفلاسفة حول اجازة وصف الله بالكمال ، لقد قال ارسطو : ان العالم قد يبلغ درجة الكمال ولكن ليس الله. والاشكالية تكمن في عدة نقاط: فعلى سبيل المثال: يعني الكمال التمام والتمام بدوره يعني التناهي والتناهي لا يجوز كصفة من صفات الله لأن الله لا يحده مكان ولا زمان ، فلا يجوز ان يكون متناهيا. ومن جهة اخرى فإن بلوغ الشيء للكمال يعني استنفاد اي تجدد وتغيير بالنقص او الزيادة وهذا معناه تعطيل الشيء ؛ وهذا ما لا يجوز لله الذي (كل يوم هو في شأن) . وعدا عن ذلك فإن الكمال يعني ضرورة قياس الشيء على محددات ومعايير ، وهذا ما لا يجوز في حق الله ، فلكي نعرف ان كان الشيء كاملا فلابد من قياسه على ما هو كامل مسبقا ؛ وهكذا ندخل في ذات اشكالية العلة الاولى او علة العلل المعروفة. لقد انتقل الجدل حول الكمال الالهي من اليونانية الى المسيحية ، وقد اتجه الفكر المسيحي الى ان صفة الكمال يمكن فقط ان تتعلق بالمخلوقات وليس بالخالق. فقمة الكمال في الواقع هي قمة النقص. لكن في القرن السابع عشر وضع ليبنيتز مفهوما جديدا للكمال وهو ان الكمال اللا محدود مقصور على الله. ولقد تلقف العالم المسيحي هذا المفهوم الذي ربما يثير مغالطات منطقية كثيرة ، ولا ادل علة ذلك ان اللا محدودية تتناقض مع لازمة محدودية الكمال. ومن ثم فإن جملة ليبنيتز تبدو انشائية أكثر منها منطقية.

يمكننا ان نلاحظ ان جملة الكمال الالهي وان كانت قد وردت في الانجيل ، الا انها لم ترد ابدا في القرآن -بحسب ما اتذكره من خلال اطلاعي على القرآن- ولا اعرف ان كانت قد وردت في السنة ام لا. لكن الكمال الالهي كما ذكرت جملة يجب ان نضع تحتها الكثير من الخطوط لأنها قد تفضي الى عكس المراد منها فبدلا من تنزيه الله ستؤدي بالضروره الى وضعه داخل حدود ثابتة وتفضي الى تناهيه وهذا مما لا يجوز. لقد تناقشت مع الاستاذ عبد المؤمن ابراهيم حول هذا الأمر وهو مهتم باللاهوتيات بشكل عام ؛ وقد رأى ان الكمال هو اداء الشيء لوظيفته. ورغم رأيه هذا الا انني ارى ان الوظيفة جزء من الشيء ولا تشمله كله فحتى ان ادى الشيء وظيفته على اكمل وجه فلا يعني ان الشيء كله قد بلغ الكمال. وفوق هذا لا يمكننا ان ننسب هذا التعريف الى الله لأننا اولا نجهل وظيفة الله بل ولا يجوز لنا ان نفترض ان لله وظيفة ام لا. وفوق هذا فإن اداء الوظيفة على الوجه الاكمل يحتاج منا لقياس معياري وهذا ما لا يمكن تحقيقه ابدا الا ببلوغ الكمال مما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة.

 

أخيرا: يذكرني هذا الجدل بمقولة لدى فلاسفة الفن وهي ان الفن (يترك) ولا (ينجز) ، اي ان الفنان لا يقرر ان اللوحة التي رسمها قد بلغت حد الكمال ، وانما يتركها هكذا لأن حد الكمال غير مدرك بالنسبة له. وربما تنصرف هذه المقولة الى كل شيء من حولنا.

أمل الكردفاني - الرواية بين الحكمة والبلاغة والتأويل

ربما من قراءاتي في الأدب الروائي عموما يلاحظ ان هناك ثلاث اساليب رئيسية تعتمد عليها الكتابة الروائية. احداها البلاغة ، وهي عبر استخدام تشبيهات واستعارات وخلافه ، بحيث يهتم الكاتب باللغة نفسها كفن وليس كأداة او وسيلة. ربما هذا النوع تقلص كثيرا في مواجهة اتجاهين ، اتجاه نحو الحكمة تقوده تيارات شبابية عربية ، حيث لا يتم الاهتمام داخل السرد ببلاغة اللغة بقدر ما يكون الاهتمام بصياغة مقولات او حكم اثناء السرد ، سواء تعلقت الحكمة بتحليل احدى شخصيات الرواية او اقعة معينة . ربما نجد ذلك ظاهرا عند اغلب الروايات العربية الحديثة ، كالسنعوسي وابرهيم نصر الله وغيرهما. وخارج الرواية العربية نجد استخداما مكثفا للحكمة لدى كويلو في كل رواياته اما كونديرا فقد قفز من الحكمة المصاغة في جملة قصيرة الى طرح فقرات كاملة من التحليلات الفلسفية. اما الاتجاه الاسلوبي الاخير فهو عدم الاهتمام بتاتا لا بالبلاغة ولا حتى بالتصريح بالحكمة داخل النص ، بل يكون النص مجرد اقصوصة مفتوحة على تأويلات تتعدد بعدد القراء واسقفهم المعرفية وقدراتهم النقدية. وهذا الاتجاه يمثله وبدون منازع ملك الرواية كافكا ، ان كافكا لا يهتم سوى بحكي قصة ، انه يجرف القارئ معه في تداعيات السرد القصصي شديد التجريد ، ويمكننا ملاحظة ذلك في كل رواياته سواء المحاكمة او المسخ او مستعمرة العقاب او خلافه. كافكا يحكي قصة ؛ قصة قد تبدو كابوسية جدا ، الانمساخ لحشرة ، الاتهام بجريمة ، آلة تعذيب معقدة.. ويتداعى الكابوس حتى نهايته التي تنفتح بدلا عن ان تنغلق لتختم القصة. ربما نلاحظ ان اهتمام كافكا بالقصة نفسها ، هو ما يتيح لنا ان نسمي رواياته بروايات محضة ؛ حيث يختفي الكاتب تماما وراء حبكة غرائبية متسارعة. في حين ان اهتمام الروائيين الاخرين بالحكمة والتي تعكس في الواقع رغبة الكاتب في ان يظل مستصحبا ذاته داخل النص -أيا كان الدافع لذلك- تؤدي الى هشاشة القصة نفسها لحساب الحكمة. ما اعتقد انه مؤسف هو ان اغلب المحكمين في اي منافسة روائية يميلون الى تقييم العمل الروائي من هذه الزاوية الأخيرة ، وهكذا تحولت المسابقات الروائية الى معايير يمكن لأي كاتب -متى ما التزم بها - حصل على قبول لجان التحكيم. وهكذا صارت هناك روايات مصنوعة لهذا الغرض ، فهي رغم انها لا تتمتع بأي تميز قصصي الا انها تحتوي على ما يقنع لجان التحكيم بأنها استوفت معيار العمل الأدبي الجاد. فلننظر مثلا الى ساق المامبو كمثال او حرب الكلب الثانية ، سنجد ان الكاتب أسس كتابته لا على التحرر والانفتاح الروائي بل على امكانية اقناع لجان التحكيم باستيفاء شروطهم المسبقة. وهكذا صار هناك صيادو الجوائز ، وصيادو الشهرة. مع ذلك فلا يعني هذا ان هناك معيارا يتفوق على آخر على نحو تعسفي فلكل قارئ رؤيته الخاصة لما هو جيد وما هو مبتذل. فالتذوق الفني -على ما احسب- شخصي جدا ولا يجيز لنا ذلك ان نعمم احكامنا الخاصة. كنت قد علقت سابقا على مقال جيمس رايسون بمجلة التايمز والذي ترجمته الى العربية الاستاذة عزة بعنوان النزعة الفلسفية للرواية ، وهو تساؤل يندرج في اطار نزعة نحو التفلسف داخل الرواية. كانت وجهة نظري هي ان التفلسف عملية مزمنة وتحتل كل جوانب انشطتنا الانسانية ، وبالتالي لا يمكننا ان نضع حدودا للتفلسف الا على نحو تحكمي جدا. وان المهارة الحقيقية تكمن في الدمج بين القصة كفلسفة في حد ذاتها؛ بدلا عن طرح الفلسفة بشكل فج وعار داخل القصة... حيث نتساءل عن رمزية الجبالي كجد قاسي في اولاد حارتنا ، او الحكم بالاعدام على ك في المحاكمة ، او انسحاق سيرة كريجوري بوفاته في المسخ..الخ.. يمكن للقصة ان تمنحنا فلسفة صامتة ، وهذا في رأي - شديد الخصوصية- هو قمة الابداع الروائي. ربما نلاحظ ذلك بشكل اوضح في القصة القصيرة التي لا تحتمل اي بث فلسفي محض داخلها كقصة المعطف او الرجل الذي عطس .. ، فالقصة القصيرة هي تكثيف بنيوي لحبكة ما ؛ غالبا ما تنتهي نهاية غير متوقعة ، ولكن هذه النهاية تجبرنا على العودة الى النص مرارا وتكرارا لفهم ما بين السطور والقيام بعمليات تأويل متعددة لها. في حين تتميز الرواية بمساحة زمنية اوسع ، وهذا ما يسمح بالكثير مما لا تسمح به القصة القصيرة ، فايقاع الرواية بشكل عام بطيء ، ولذلك يحتاج الروائي الى مخيلة خصبة قد تدر لنا بشكل مقصود او غير مقصود عمقا فلسفيا ما على نحو مستمر. لاحظ ان نصوص ديستوفسكي مثلا منجرفة نحو التحليل النفسي ، وهيرمان هيسة - وعلى وجه الخصوص في مقدمة لعبة الكريات الزجاجية- استغرق اكثر من صفحة لتحليل صحافة التسلية ، وان كونديرا مثلا يستهلك فقرات طويلة في وصف فلسفي لا يمكن تصنيفه بكونه اكاديميا ام فوضويا. انني كقارئ عادي ولست ناقدا اكاديميا ، اصاب بفقدان تسلسل حبكة القصة ، بالاضافة الى ذلك فإننا كقراء عاديين نادرا ما نجادل هذه الاطروحات الفلسفية عندما نقرأ النص الروائي ، وفي الغالب الاعم ينزع القراء بشكل عام الى تجاوزها حتى بدون محاولة فهمها ، وهكذا يمارس القارئ العادي تشذيبا للرواية ويعيدها الى كونها فن خالص اثناء القراءة بعمليات قص واع او غير واع لزوائد لا داعي لها. في الواقع عملية القص هذه هي ما يجب ان يقوم بها الكاتب نفسه على نحو مستمر ، حتى لا تتحول الرواية الى كتاب اكاديمي ؛ وربما نلاحظ هذه الضرورة في اعمال كتاب كبار مثل امبرتو ايكو في اسم الوردة حين حول القصة في صفحات كثيرة كاملة الى كتاب تأريخي. ومع ذلك فإنني اعود وأقول بأن هذا كله ليس حكما مقدسا ولا مسطرة يجب ان تخضع لها الكتابة الروائية ، لأن الادب عموما هو تحرر ومحاولات دؤوبة نحو الانفلات من الاشتراطات الثقافية والبرادايمات المعاصرة.

أمل الكردفاني - بحث الأديب عن مفردة...

كم عدد ما تحفظه من مفردات تستخدمها طوال حياتك عبر لعبة التباديل والتحاويل او ما يسمى بالمنهج الكارتيزي عند الرياضيين لتصف عالمك بأسره؟ ربما لا يتجاوز ما نستخدمه من مفردات الف او الف ومئاتي مفردة. نحن نقرأ العديد من الكتب ونفهمها في غالب الاحوال دون اللجوء الى القاموس ؛ هذا يعني ان مجتمعنا في هذا الزمان وهذا المكان على وجه التحديد يدير كل ابداعه الكتابي من خلال تواضع جمعي على عدد محدود من المفردات. الصحف ، المواقع الالكترونية العربية ، الكتب المجلات احاديثنا وخطاباتنا السياسية والثقافية والادارية وحتى العاطفية...فهناك قبة مفرداتية تحصرنا داخلها. غالبا ما لا يحتاج الادباء للعودة الى القواميس بحثا عن مواضعات مجتمعات قديمة ، فحتى لو استخدم الاديب مفردات اتفاقية لمجتمع قبل الف سنة فإنها الآن لن تحظى بأي قبول عام. وهذا يجعلنا نتساءل: هل ما اتفقنا عليه من مفردات كاف بحد ذاته ليستخدم في العمل الادبي؟ ام يجب على الاديب ان يقوم بحفريات تاريخية مستدعيا القديم ليطرحه لرهان مواضعة جديدة؟ فلنتخيل ان اديبا من الادباء جاء بمفردة من القواميس القديمة واستخدمها في النص الأدبي ؛ فماذا يقصد بذلك على وجه التحديد؟ هل يطلب من القارئ العودة الى الماضي ليفهم النص؟ وما الذي سيفعله القارئ حينما يجد كلمة ماتت تعاد الى الحياة عبر النص. هل سيعود الى القاموس ليفهمها. هل سيحاول فهمها من خلال السياق ما استطاع ، ام سيتجاهلها كما يفعل مع لغة اجنبية لا يروم منها الا جوهر الفكرة؟ عرفت فتاة تكتب كما يكتب عنترة وزهير وغيرهما من شعراء الجاهلية ، لقد سألتها عن سبب استخدامها لمفردات ماتت منذ قرون؟ لم تعر سؤالي التفاتا ، وربما كان سؤالي في حد ذاته امتهانها لشعورها بابداع متوهم. ان الكثيرين مروا على كلماتها مرور الكرام. تجاهلوها ولم يحاول ايا منهم العودة الى المعاجم ليفهم ما حكته. وانما يدل ذلك على ان من الافضل للأديب اليوم ان يجترح مفردة جديدة ، فإما ان يعطها مدلولا على هامش العمل الادبي او يتركها لتفهم من السياق. او يتركها حتى بدون ان يتوقع فهم احد لها فتكون كغرفة خامسة لمنزل اسرة من اربعة اشخاص. هل يوجد الان أديب يضع المعاجم القديمة حوله قبل ان يكتب رواية او شعرا او قصة او مسرحية او خاطرة؟ غالبا لا يحدث هذا ، ومع ذلك فإن الروائيين على وجه التحديد يميلون الى اقتراض مفردات من بيئتهم وطرحها كنوع من تكثيف حيوية مقاربة النص بالواقع. يكتب الكثيرون مستخدمين مفردات البيئة الزراعية او الرعوية او التجارية او الصناعية او العلمية ، ويمكنك كقارئ عادي ان تكتشف ببساطة بيئة الكاتب او جذوره. غير ان القراء غالبا ما لا يبذلوا الوسيع من الجهد لتقصي مدلولات هذه المفردات. ونلاحظ بالتالي ان المغربي يكتب للمغاربة والمصري للمصريين والسوداني للسودانيين حينما يتم استخدام مفردة نابعة من ثقافته. انه لا يهتم بفهم الآخر كثيرا ؛ ولا يعمد الى وضع هوامش تفسيرية للمفردة (لأن ذلك ضد النسق الأدبي المعتاد) ، وهكذا يتحول النص الادبي الى علامات استفهام متواصلة بالنسبة للقارئ الأجنبي عن ثقافة الكاتب. وهكذا تمثل المفردة (القديمة) او (المحايثة لثقافة ما) ، أو (المخلوقة) اشكالية تتطلب بحثا ونقاشا جديا حولها لتأصيل جدواها الأدبي. عندما يستخدم كاتب سوداني كلمات ك (الدلكة) ، (القرمصيص) ، (الرحط) ، (القادوس) ، ...الخ .. داخل النص الروائي مثلا ؛ ثم يرسل نصه الى الآخر ، فما الذي ينتظره او ما الذي يتوقعه من الآخر على وجه التحديد؟ هل سينتظر من القراء العودة الى المكتبات الجامعية لفهم هذه المفردات؟ وهل بالفعل هناك مراجع متوفرة لشرح كل المفردات؟ هل يدفع القراء الى التعرف على ثقافته الخاصة من خلال الادب ، عبر مفردات لا تعطيهم اي تصورات ذات فائدة؟ ام يجب على الكاتب ان يرفق ملحقا بمعاني المفردات التي استخدمها. هذه المسألة ليست مجرد تساول لا قيمة له ، بل على العكس ؛ هذا التساؤل يتم طرحه على وجه الخصوص من قبل المتجرمين للاعمال الأدبية. فعندما يقوم المترجم بترجمة نص صيني سوف يبحث -بعبثية محبطة جدا- عن المقابلات بين اللغة المترجم منها و اللغة المتجرم اليها. لن يسع المترجم الا ان يلحق بالنص جداول ورسومات توضيحية لهذه المفردات... آلات عزف فلوكلورية ، اكلات شعبية ، رقصات ، صفات ، ....الخ. وهذا يؤدي الى تشويه سلاسة تداعيات النص الأدبي. فلنحاول مثلا قراءة (الكوميديا الإلهية) لدانتي اليجيري عبر ترجمة عربية تستخدم اسلوب التعريف بالهامش ، وسنجد انفسنا ننتقل من كل بيت ومقطع وجملة الى الاسفل او الى صفحة الهوامش لنفهم النص ، وهذا فضلا عن رهقه يؤدي الى فقدان النص لقيمته الشعرية. اعتقد ان استخدام المفردات المستغربة يجب ان يتم في حدود لائق ومناسب لحدود ما هو مرجو من تلك المفردة. وهذا امر يستدعي صناعة النص مع وضع الاعتبار للآخر ؛ اي للقارئ اولا والناقد ثانيا وللمترجم ثالثا.

أمل الكردفاني - الأدب وآيدولوجيا اللغة

اتذكر انني في الخامسة او السادسة عشر من عمري قررت كتابة رواية ؛ كانت فكرتها تدور حول اعلان الشيطان اعتزاله لعمله في اغواء البشر ، وتجسده على الارض في شكل كهل زاهد ... قرر الشيطان ان يهرب من لا عقلانيته عندما تحدى الإله ليكون احد احجار رقعة الشطرنج في السردية الوجودية. بالفعل استقال الشيطان من وظيفته واعلن توبته امام العالم البشري ، ثم اختار منطقة نائية بنى فيها صومعته واعتزل الناس. الا ان تداعيات ذلك الحدث كانت كالصاعقة على البشر ؛ حيث بات من الصعب على البشر اقتراف الذنوب والجرائم ؛ فقد انتهت الشماعة التي كانوا يعلقون عليها موبقاتهم. ونتيجة لذلك فقد حاول البشر اغواء الشيطان للعودة الى عمله السابق ، وعندما خابت محاولاتهم المتكررة قاموا بقتله.

 

غير أنني لم اكمل كتابة هذه الرواية؛ فلقد واجهتني في ذلك العهد صعوبة كبيرة جدا عرقلت تقدمي في الكتابة وكانت هذه الصعوبة تتمثل في لغة الكتابة. وعلى العكس مما قد يتصوره الناس فإن الصعوبة انبثقت عن تمسكي الشديد بالمقدس اللغوي ؛ او ما يسميه بعض الفلاسفة بأيدولوجيا اللغة ؛ حيث الالتزام المطلق بقواعد اللغة النحوية بالاضافة الى البلاغة بشتى صورها. وهكذا لم تستمر كتابتي للرواية واكتفيت بالقصص القصيرة ؛ وذلك لسببين ، اولاهما انني كنت قد قرأت الكثير من القصص القصيرة الروسية وكنت معجبا بها ، ومن ناحية ثانية لم يكن اتباع قواعد اللغة مرهقا ؛ حيث لا تتجاوز القصة القصيرة بضع صفحات يمكن الصبر عليها. استمر تشددي في الاهتمام باتباع الضوابط اللغوية الى ان قرأ- بعد سنتين - مقالا يتحدث عن الرواية عند نجيب محفوظ ؛ ومن ضمن ما اشار اليه كاتب المقال ؛ اللغة السهلة التي استخدمها نجيب محفوظ في كتابة الرواية. صديق اتحفني به الحظ في ذلك العمر الصغير كان شابا مصريا سودانيا خريج فلسفة وكنت في السابعة عشر من عمري ؛ لقد قدم لي محمد عبد الفتاح -وهذا هو اسمه- باكورة معرفتي بالروائي صنع الله ابراهيم ؛ وكذلك نجيب محفوظ ؛ كان يسلفني الرواية ثم يعود ويناقشني حول فهمي لها ؛ وهنا عرفت كيف تتم قراءة الرواية بعين أخرى بحيث ينصب الاهتمام على الرمز في السرد وليس بضوابط اللغة بشكل متطرف. تتحول اللغة الى ايدولوجيا ؛ ووفقا لتعريفي الشرطي للآيدولوجيا ؛ فهي ليست أكثر من تبني مطلق لمفاهيم محددة. فالايدولوجيا في الواقع يجب ان يوصف بها الشخص (كآيدولوجي) وليس المفهوم . يمكننا ان نلاحظ بشكل عام ان آيدولوجيا اللغة كانت تتجه نحو التخفف بشكل مستمر ؛ منذ الأدب الجاهلي وحتى اليوم ؛ ان الانسان عموما يتخفف من ضوابط اللغة ويتخلى عن آيدولوجيا اللغة بشكل مضطرد لحساب المضمون. أي انه يتخلى عن الجمالي الترستندتالي الى الجمالي الظاهراتي ، درجة من العقلانية الجمالية التي لا اعرف كيف ابسط شرح وعيي بها... لكنها على العموم هكذا. ربما كان من عوامل الدفع بهذا التخفيف الى الأمام هو جنوح رغبات العديد من الكتاب الى ترجمة اعمالهم. تعاني الترجمة من أزمة كبيرة ؛ وهي انها تمثل نصا آخر . هكذا يقولون ؛ ولذلك قد يعمد الروائي الى استخدام اسلوب لغوي سهل او على الأقل اقل تعقيدا دون ان يفقد توجهه الجمالي والفلسفي الذي يتغياه. ومع العولمة الثقافية التي نشهدها ، سيكون اهتمام الأدباء بتبادل منتجهم الابداعي على نطاق عالمي ، واسع ؛ مما يجبرهم على التقليل من التجريب اللغوي. وربما يشهد الادب بعد عقود تشاركا عالميا في المفردة حينما تتوحد تجربتنا الحياتية بشكل كبير. نحن نلاحظ مقدمات ذلك الآن ؛ فالتكنولوجيا منحت العالم لغة يتشاركها الجميع... او على الأقل مفردات مشتركة. اللغة الأداتية هي التحول الذي اتوقعه في المستقبل ؛ واللغة الأداتية هذه ستعمل على تحلل الآيدولوجيا لتفني النمطية الكلاسيكية بشكل متسارع. وبالاضافة الى التكنولوجيا ؛ فهناك ايضا العوامل الاقتصادية التي ستزيح الايدولوجيا اللغوية لعالم ينمو اقتصاديا بشكل متسارع ويخلق ثقافة الاستهلاك والوجبات المعرفية السريعة ، ستحتاج اللغة لأن تعبر فقط عما يمكن ان تستوعبه الغالبية ، ومن ناحية سيحتاج الكاتب الى ضغط ادواته اللغوية لأقصى حد ممكن. ربما لن يتحمل الانسان في اقتصاد الرأسمالية رواية كرواية الكريات الزجاجية لهيرمان هيسة والتي تتجاوز الستمائة صفحة ؛ ولا رواية الحرب والسلام التولستوية ؛ ولا رواية وراء الرغيف لمكسيم غوركي ؛ هذا النوع من الأدب غالبا ما سينقرض لتحل محله الروايات الصغيرة novella ، بلغة تفاوضية تملأ الفراغ بين المؤلف والقارئ محققة رضى الطرفين.

(سيداو) والإسلام.. أم (سيداو) وفهم المسلمين.. تعالوا لنكتشف الحقيقة

 

 

(سيداو) والإسلام.. أم (سيداو) وفهم المسلمين.. تعالوا لنكتشف الحقيقة

د.أمل الكردفاني

 

الإسلام دين ، يرتكز على مصدر أساسي لا خلاف حوله وهو القرآن ، وما تواتر من السنة (وأغلب المتواتر من السنة ؛ سنة عملية وقليل منها قولية او تقريرية). ومصادر أخرى مختلف حولها فهي ظنية الثبوت كخبر الآحاد ومن خبر الآحاد الحديث الصحيح ؛ أو الذي يفترضون صحته لتسلسل سنده بما يسمى بالسلسلة الذهبية ، ورغم ذلك يظل ظني الثبوت ، رغم ان هناك متشددون يحكمون بقطعيته لأسباب تتعلق بالورع أو بعدم الورع. على أية حال فالقرآن لا جدال حوله ، فهو قطعي الثبوت لأنه انتقل الينا متواتراً والتواتر هو انتقال الخطاب من جمع الى جمع بحيث لا يتصور تواطؤ هذه الجماعات الكثيرة على الكذب. (هذا تلخيص لمطولات وردت في كتب اصول الفقه قديمها وحديثها ، يمكن الرجوع اليها في الانترنت بوفرة).وهي مقدمة ضرورية لننتقل إلى قضية النص القرآني ؛ فقضية النص القرآني أثارت جدلاً طويلاً جداً في حاضرنا هذا على وجه الخصوص . فالنص القرآني هو خطاب لغوي ، وأي خطاب لغوي في هذا العالم قابل لتعدد التأويلات ، وهكذا ومنذ القدم ظهرت تفاسير عدة للقرآن ، كابن كثير والقرطبي والجلالين وخلافه. ونتج عن تعدد فهم النص القرآني اختلاف الفقه في استنباط الأحكام الشرعية ، فنشأت المذاهب والفرق والطوائف ، فالنص لا ينطق بنفسه إنما ينطق به الرجال كما قال الإمام علي رضي الله عنه (أنظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري – 110/3). هذه القضية ليست قضية ترفية ، فعلى أساسها انقسم المسلمون  إلى فرق عدة ، تحقيقا لنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في الحديث :( عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما قَالَ : أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ : ( أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ )

رواه أبو داود ( 4597 ) والحاكم (443) وصححه ، وحسنه ابن حجر في " تخريج الكشاف " ( ص : 63 ) ، وصححه ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 3 / 345 ) ، والشاطبي في " الاعتصام " ( 1 / 430 ) ، والعراقي في " تخريج الإحياء " ( 3 / 199 ) وقد ورد عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة ).

مسألة قابلية النص القرآني لتعدد التأويلات أثارت اتجاهين أساسيين: اتجاه انغلاقي ؛ يتبنى اعتماد التأويل التراثي (أو ما يسمى بالتفاسير القديمة) ، ويرفض أي تأويل جديد  واتجاه ليبرالي قاده أركون والعشماوي وابو زيد وحسن حنفي ...الخ. هذا الاتجاه الحديث يطالب باستخدام مناهج حديثة لفهم النص ، كالمنهج التفكيكي على سبيل المثال وتاريخانية النص ، والثابت والمتغير. في الواقع المنهج التفكيكي يؤدي تطبيقه الى تحرير النص تماماً من أي شروط وضعية للتأويل ، ويجعله نصاً مفتوحاً على كافة الاحتمالات إلى ما لا نهاية. وهذا بلا شك جيد من حيث قدرة النص على التعاطي مع الراهن والعصر والمستجدات ، لكنه من ناحية أخرى –وهذا ما يقلق الاتجاه الأول- سيصادر على القيمة المقدسة للنص حينما يتحول لمنبع تأويلات وضعية . وهذا قريب جداً من جدلية التعبد بترجمة القرآن والتي أجازها أبو حنيفة ثم تراجع عنها لاحقاً. بالاضافة إلى استخدام المناهج الحديثة لمحاولة فهم النص ومن ثم تأويله ، اعتمد الاتجاه الثاني على مفهوم جديد وهو تاريخية النص القرآني ، فالعبرة بخصوص السبب وليس بعموم المعنى ، والسبب نازلة تعبر عن إطارها التاريخي (الثقافي) ، وعليه فلا يصلح الاعتماد على الحكم الشرعي الخاص بها في عصرنا الراهن متى اختلفت الظروف. دار أيضا جدل حول مفهوم الثابت والمتغير وكان رائده كما هو معلوم دكتور الفلسفة  والأديب السوري المعروف أدونيس. كل هذه اتجاهات لها مزاياها وعيوبها ، لها مناصريها ومناهضيها . ويبقى النص القرآني ثابتاً تدور كلها من حوله. كما أن هذه الاختلافات لا يمكن حسمها منطقياً ومن ثم فهي تتداخل مع التوجه الإيماني وتتوقف تشددا ومرونة على درجة الورع والتقوى لدى الفقيه أو المجدد أو الفيلسوف. هذه الجدليات لم تكن منبتة الصلة بالسياسة ، بالعكس ؛ فهذه المجادلات انبثقت لتعبر عن رفض متبادل بين أنصارها ، ومحاولة لإقصاء الحرس القديم عن السياد الاجتماعية والثقافية والسياسية ، أي نزع السلطة عنهم ، بالإضافة إلى ذلك لم تخلو بعض هذه التوجهات من محاولة –سيئة النية- لإقصاء الدين من الحياة العامة ، وفي أفضل الفروض (تحييده) ، وكالت كل كتلة الاتهامات للأخرى ، وظلت كل كتلة تحشد قواها ، إما عبر الدعوة للاستمساك بعروة السلف أو بالدعوة للتجديد والحداثة ومواكبة التطورات الأخلاقية التي بلغها الضمير الإنساني. ولا زال الصراع مستمراً.

ويجب أن أنوه إلى أن هذا الجدل لم يختص به الإسلام فقط ، بل هو جدل لحق بكل الأديان الأخرى سماوية أم غير سماوية.

واتفاقية سيداو ، والمتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة (كمبدأ جوهري) استندت اليه كل بنود الاتفاقية ، أعادت هذا الجدل ، بين - من يعتمدون على فهم السلف  للنص ويمنحون هذا الفهم قداسة ، حتى ولو كان فهم السلف قد اختلط بين المعنى الواثب إلى فاهم النص والبيئة الاجتماعية التي أحاطت بالفاهم للنص  وأثرت في فهه – وبين أولئك الذين يرفضون تقديس فهم الفاهم للنص ، باعتبار أن نسبية المفاهيم تحول دون أي قداسة. وأن القداسة يجب أن تنحسر في النص بما هو نص فقط لإفساح مجال لفهم وتأويل حديث.

هنا يثور تساؤل ؛ هل سيداو كاتفاقية تتعارض مع النص ، أم مع فهم النص؟ إن كانت تتعارض مع النص فهي تتعارض إذن مع الإسلام ، وان كانت تتعارض مع فهم النص فهذا الفهم لا يقوض امكانية الأخذ بالاتفاقية. غير أن هذا التساؤل يصادر في الواقع على مضمونه ، لأننا إن أردنا أن نعرف إن كانت الاتفاقية تتعارض مع النص (بما هو نص) فسيعوذنا معرفة ذلك إلا عبر فهم مستقل عن النص. فالراجح إذن –كما يتبادر إلى الذهن- أن الإتفاقية تتعارض مع فهم النص وليس النص ، حتى يثبت العكس ، ولن يثبت العكس إلا بوحي ، وقد انقطع الوحي بوفاة الرسول صلى الله عله وسلم.

لكن دعنا من هذا الجدل ، ولنرى إن كان معيار الأخلاق يمكن أن يمنحنا إمكانية تقييم تعارض الاتفاقية مع الإسلام أم لا. وهنا لا بد لنا من فحص بنود هذه الاتفاقية بنداً بندا ؛ على النحو التالي:

 

المادة 1: تختص بتعريف التمييز ضد المرأة على النحو التالي:

 

أي تميز أو إقصاء أو تقييد يتم بناء على الجنس وله تأثير أو غرض على أضعاف وأبطال اعتراف، وممارسة، واستمتاع المرأة بكافة حقوقها الإنسانية وحرياتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية وكافة الحريات الأخرى، بغض النظر عن حالتها الزوجية ووفقًا لأساس واحد وهو المساواة بين الرجل والمرأة.

وهنا سنتساءل سؤالاً لن نتوقف عن تكراره في سائر البنود الأخرى: هل يتعارض هذا البند مع الإسلام؟ هل ينادي الإسلام بتقييد أو اقصاء المرأة بغرض اضعاف وإبطال واستمتاع المرأة بحقوقها الإنسانية وحريتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية وكافة الحريات الأخرى؟

 

المادة 2: تنص هذه المادة على أن كل الدول التي تصدق على هذه المعاهدة يجب عليها إظهار نيتها الحقيقة للمساواة بين الجنسين فى دساتيرها المحلية، وأن يتم إلغاء كافة القوانين التي تسمح بالتمييز بناء على الجنس، وأن تسن هذه الدول قوانين بهدف الحماية من أي تمميز يتم ضد المرأة. الدول المُصدقة على الاتفاقية يجب عليها إنشاء محاكم ومنظمات مجتمعية بغرض ضمان حماية فعالة للمرأة ضد أي ممارسات تمميزية، ويجب عليها أيضًا أتخاذ خطوات حقيقة تجاه الأفراد، والمؤسسات، والمنظمات التي تمارس التمييز ضد المرأة.

ونعود إلى سؤالنا: هل يرفض الإسلام ما جاء بهذه المادة؟ هل يرفض الإسلام إلغاء كافة القوانين التي تسمح بالتمييز بناءً على الجنس؟ كما يرفض سن أي قوانين تهدف لحماية المرأة؟

 

المادة 3: على الدول المشاركة في الاتفاقية أن تضمن ركائز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية للمرأة فقط «على أساس المساواة بين الرجل والمرأة» في كافة الأصعدة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية وأيضًا الثقافية.

السؤال المعتاد: هل يرفض الإسلام ضمان ركائز حقوق الإنسان وحرياته للمرأة في كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأيضا الثقافية؟

 

المادة 4: في هذه المادة « تبني معايير خاصة من أجل التعجيل في الوصول إلى المساواة الفعلية الحقيقة بين الرجل والمرأة لايمكن أن يعتبر تمييزًا» وأيضًا حماية حقوق الأمومة لاتُعد تميزًا بناء على اختلاف الجنس.

الشق الأول من هذه المادة إجرائي ، أما ما يهمنا هنا الشق الموضوعي ؛ فهل يرفض الإسلام منح الأمومة ميزات تفضيلية من حيث الحقوق؟

 

المادة 5: يجب على جميع الدول المشاركة في الاتفاقية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاربة أي تحزبات أو تحيزات قائمة نتيجة تلك الأفكار بدونية أو تفوق أحد الأجناس على الأخر، أو نتيجة الأفكار النمطية عن أن لكل جنس دور معين يقوم به دون الجنس الأخر. ويجب أيضًا على الدول الأطراف في الاتفاقية «أن يضمنوا.. الاعتراف بالمسئولية المتبادلة بين الرجل والمرأة في تربية وتنشئة أطفالهم».

السؤال: هل يرفض الإسلام الاعتراف بالمسئولية المتبادلة بين الرجل والمرأة في تربية وتنشئة أطفالهم؟

 

المادة 6: تتضمن هذه المادة إجبار كافة الدول المشاركة في الاتفاقية «أن تتخذ كافة الإجراءات اللازمة – متضمنًا تشريع القوانين – للحد من جميع أشكال الإتجار بالمرأة واستغلال المرأة في البغاء القسري».

السؤال: هل يجيز الإسلام أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال المرأة في البغاء القسري؟

 

المادة 7: تحتوي هذه المادة ضمان حقوق المرأة للمشاركة في الحياة السياسية والحياة العامة بطريقة سوية، مع التركيز علي المساواة في حقها في التصويت، والمشاركة في التشكيل الحكومي، وحقها في المشاركة في «كافة المنظمات والاتحادات المهتمة بالشأن العام والحياة السياسية للبلاد».

السؤال: هل يرفض الإسلام مشاركة المرأة في الحياة السياسية والحياة العامة بطريقة سوية ، وهل يرفض منحها الحق في التصويت والمشاركة في التشكيل الحكومي ، وحقها في المشاركة في كافة المنظمات والاتحادات المهتمة بالشأن العام والحياة السياسية؟

 

المادة 8: بموجب هذه المادة فإن الدول المشاركة في هذه الاتفاقية تضمن للمرأة المساواة في «الفرص لتمثيل حكوماتهم في المحافل الدولية وأيضًا تضمن لهم المشاركة في أعمال المنظمات الدولية».

السؤال: هل يرفض الإسلام منح المرأة فرص مساوية لفرص الرجل في تمثيل الحكومات في المحافل الدولية والمشاركة في أعمال المنظمات الدولية؟

 

المادة 9: تنص هذه المادة علي أن الدول الأطراف يجب أن «تضمن أن تتساوى المرأة مع الرجل فى حقها في اكتساب، أو تغيير، أو الإبقاء على جنسيتها»، كذلك التساوي بينهم في الحقوق «تبعًا لجنسية ابنائهم».

السؤال: هل يرفض الإسلام أن تغير جنسيتها أو يكتسب أبناؤها جنسيتها؟

 

المادة 10: من متطلبات المشاركة في هذه الاتفاقية توفير فرص تعليم متساوية بين الطالبات والطلبة وأيضًا التشجيع على التعليم المشترك –مدارس للفتيات والفتيان معًا وليس لكلًا منهما مدارس مستقلة بذاتها-. كما تتضمن توفير فرص متساوية بين الجنسين للألعاب الرياضية، والمنح، والمكافأت وأيضًا يطلب العمل على «خفض معدلات الأنقطاع عن الدراسة لدى الفتيات».

السؤال: هل يرفض الإسلام توفير فرص تعليم للمرأة تتساوى مع فرص الرجل ، وتوفير فرص متساوية للألعاب الرياضية ، والمنح والمكافآت؟ وبالنسبة لمشاركة الطلبة والطالبات للدراسة ، ورغم أن الاتفاقية تتحدث عن مجرد تشجيع ، فهل يمنع الإسلام ذلك؟

 

المادة 11: تُحدد هذه المادة حقوق العمل الخاصة بالمرأة على إنها «حقوق طبيعية –غير قابلة للتصرف- لكل الجنس البشري»، ولتحقيق هذا هنالك بعض المتطلبات مثل: الحصول على نفس المقابل لنفس العمل، والحصول على بعض الضمانات الاجتماعية، كذلك الحق في الحصول على إجازات مدفوعة الأجر وإجازات للأمومة –مثل الوضع- «كل هذا بأجر أو مزايا اجتماعية متماثلة دون فقدان الأقدمية، أو العلاوت الاجتماعية» وأي فصل يتم بناء على أساس الأمومة، أو الحمل، أو الحالة من الزواج يجب أن تُحظر بعقوبات.

السؤال: هل يرفض الإسلام حصول المرأة العاملة على نفس أجر الرجل العامل ، وهل يرفض حصول المرأة على ضمانات اجتماعية ، وهل يرفض منح المرأة اجازات مدفوعة الأجر واجازات للأمومة –مثل الوضع- وهل يجيز الإسلام فصل المرأة من عملها بسبب أمومتها أو حملها أو زواجها؟

 

المادة 12: تُلزم هذه المادة كافة الدول الأطراف ب «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتجنب أي نوع من أنواع التمييز ضد المرأة في مجال الرعاية الصحية؛ لتضمن بذلك حصولها علي نفس الرعاية الصحية، متضمنًا بذلك خدمات تنظيم الأسرة».

السؤال: هل يرفض الإسلام منع المرأة من أخذ نفس الرعاية الصحية وخدمات تنظيم الأسرة مثلها مثل الرجل؟

 

المادة 13: تضمن هذه المادة المساواة للمرأة في «الحياة الاقتصادية والاجتماعية» وخصوصًا فيما يتعلق «بالحق في الحصول الاستحقاقات الأسرية، والحق في الحصول على القروض المصرفية، والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي، وأيضًا حقها في المشاركة في جميع الأنشطة الترفيهية، والرياضات المختلفة، كذلك كافة الأنشطة الثقافية».[4]

 

السؤال: هل يرفض الإسلام حصول المرأة على القروض والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الإئتمان المالي ، وهل يرفض الاسلام مشاركة المرأة في الأنشطة الترفيهية والرياضة والأنشطة الثقافية؟

 

المادة 14: هذه المادة توفر الحماية اللازمة للمرأة الريفية ولمشاكلها، وتؤكد على حقها في المشاركة في مشروعات التنمية، «وتوفر لها التسهيلات اللازمة للحصول على رعاية صحية جيدة»، «وأن من حقها المشاركة في كافة الأنشطة المجتمعية»، «ولها الحق أيضًا في الحصول على قروض الائتمان الزراعي»، وكذلك «حقها في التمتع بظروف ملائمة للحياة».

 

السؤال: هل يرفض الإسلام مشاركة المرأة الريفية في مشروعات التنمية ، وهل يرفض الإسلام منح المرأة الريفية التسهيلات اللازمة للحصول على الرعاية الصحية ، وهل يرفض مشاركتها في كافة الأنشطة المجتمعية ويرفض حصولها على قروض الإئتمان الزراعي ، ويرفض تمتع المرأة بظروف ملائمة للحياة؟

 

المادة 15: تنص هذه المادة على أن جميع الدول الأطراف في الاتفاقية يجب أن يلتزموا ب «مساواة المرأة مع الرجل أمام القانون»، بما في ذلك «أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل». كما تنص على «حصول المرأة علي نفس حقوق الرجل فيما يتعلف بالقانون الخاص بالتحركات الشخصية، وكذلك حريتها في اختيار محل إقامتها ومكان سكنها».

السؤال: هل يرفض الإسلام مساواة المرأة  بالرجل أمام القانون ، من حيث الأهلية القانونية ، ومن حيث حقها في الحركة واختيار محل اقامتها ومكان سكنها؟

 

المادة 16: تهتم هذه المادة ب« جميع أنواع التمييز ضد المرأة في جميع الأمور المختصة بالزواج وتكوين أسرة». فتكفل هذه المادة لكلًا من الزوج والزوجة «نفس الحق في الزواج، واختيار شريك الحياة بحرية»، «وتكفل لهم نفس الحقوق والواجبات أثناء الزواج أيضًا إذ قررا الانفصال»، «ولهم نفس الحقوق والواجبات في كونهم والدي الأطفال»، «نفس الحق في حرية اختيار عدد الأطفال والمدة بين إنجابهم إذا قررا إنجاب أكثر من طفل»، «نفس الحقوق والواجبات كزوج وزوجة متساويين في اختيار اسم للأسرة، وتحديد المهنة»، «نفس الحقوق لكلا الزوجين في التعامل مع ممتلكات الأسرة من حيث الحق في امتلاك، حيازة، إدارة، التحكم، التمتع وحرية التصرف في هذه الممتلكات، سواء إن كان هذا التصرف مجاني أو بمقابل ما».

 

السؤال: هل يرفض الإسلام منح المرأة  نفس حق الرجل في الزواج ، واختيار شريك حياتها بحرية ، وغير ذلك مما جاءت به المادة؟

أخيراً ؛ التساؤل الذي ينبثق ببداهة إلى أذهاننا إذا كانت الإجابة عن الأسئلة السابقة هي تعارض الإسلام مع مواد هذه الإتفاقية ، هل هناك تعارض فعلاً ، وان كان هناك تعارض فهل هو تعارض بين الاتفاقية والإسلام أم بين الإتفاقية وفهم البعض للإسلام؟

وسؤال آخر: هل هذه الإتفاقية عادلة أم ظالمة ، إن كانت عادلة ، حين اعتبرت المرأة انساناً ، فهل الإسلام ظالم؟ أم أن فهم البعض للإسلام ظالم؟

ويجدر بنا أن نذكِّر بمسألة مهمة : أن المرأة والذكر ، لم يختلفا إلا لأن أحد الحيوانات المنوية كان يحمل كروموسوم (X) ، والآخر يحمل الكروموسوم (Y) ، فهل تتم مصادرة حقوق المرأة لمجرد هذه الصدفة البيولوجية؟

إنني لن أجيب على كل هذه الاسئلة وإنما أترك للقراء اختيار إجابتهم بأنفسهم.